والغالب أن هؤلاء إنما يبحثون فعلاً عن هذه المنافع رغم معرفتهم بخطأ فتاواهم وفسادها وبطلانها، وقد حدث مثل هذا حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤسس الدولة، وكان هذا التأسيس يتطلب مواجهة المعادين لها؛ ففي تلك المرحلة كانت فئة من المنافقين تهتم بمصالحها الدنيوية مع المعادين لدين الله، ولم يكن يهمهم من هذا الدين ولا من الدولة إلا بقدر ما ينتفعون منه، وكان على رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وكان هذا يسارّ المشركين واليهود خوفاً على مصالحه معهم، مع ظنه السيئ في رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من دين الله، واعتقاده أن هذا الدين سوف يفشل، وأن الغلبة ستكون للمعادين له. ولم يدرِ هو وأضرابه أن الله يعلم أسرارهم ودواخلهم فأنزل فيهم قوله تعالى فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى"أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على"ما أسروا في أنفسهم نادمين (1) . ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (2) .
ومع قوة القوى المعادية وسند المنافقين لها إلا أن الله نصر دينه وأعز رسوله، فأصبح عمل المنافقين مجرد تاريخ يتلى للاعتبار والاتعاظ فحسب.
هذا في الماضي، أما في الزمن المعاصر فقد عرف تاريخ الأمة الحديث مرزا غلام أحمد القادياني وجماعته من الجهلة والمارقين، وقد أجهد هذا نفسه وحاول إقناع المسلمين وغيرهم في الهند بوجوب طاعة المستعمر للهند آنذاك، والانقياد له، مدعياً أن هذا من طاعة الله، كما حاول تعطيل الجهاد ووصفه بما يتفق مع عقيدته ومبادئه المنحرفة. وقد عرف الناس من كان وراءه ومن كان يدفع له المال، ومع كل ما كان له من زخم دعاوى أضفاه عليه المستعمر، إلا أن الهنود رفضوا دعاواه، وجاهدوا بكل قوة لتحرير بلادهم، وكان من نتيجة هذا الجهاد تحرر الهند، وتكوين دولتي الباكستان وبنغلاديش المسلمتين، وبقي مرزا غلام أحمد مجرد اسم في تاريخ الردة وخدمة المستعمرين .
وفي الختام نقول: إن هؤلاء الذين يتجرؤون على الله بهذه الفتاوى، ويتوسلون بها إلى القوى الأجنبية، من أجل منافعهم الشخصية، إنما يرتكبون خطأ وإثماً كبيراً في حق دينهم وأمتهم.
أما قولهم بأنهم يجتهدون في الإسلام ويبينون أحكامه فهو قول باطل، وإثم مبين، وقد شدد الله في عقوبة من يحل ما حرمه أو يحرم ما أحله، فقال تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (1) ، متاع قليل ولهم عذاب أليم (2) . كما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستبتلى بأقوام حدد صفاتهم وسلوكهم بقوله: (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) (3) .
ولا يسعنا إلا أن نسأل الله عز وجل أن يعز دينه، ويعلي كلمته، وأن يرد كل ضالٍ إلى الحق. إنه سميع مجيب.
المؤلف ... الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
نص البحث
زواج المسلمة من الكتابي حرام ومستحله مرتد
عقد الزوجية في الإسلام ليس كعقدها في جميع الديانات الأخرى كتابية أو وثنية أو لادينية، بتميزه عنها جميعها ابتداء واستمرارا وانتهاء.
ولئن كان هذا العقد في غير الإسلام مجرد اتفاق بين ذكر وأنثى يباركه أو يوثقه بشر سواء كان رجل دين أورجل دولة، فإنه في الإسلام علاقة ربانية ينشئها الله تعالى ويشهد عليها ويأتمن الزوجين عليها ويسألهما ويحاسبهما يوم القيامة بها.
يقول تعالى:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) 1
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) 2
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) 3
( خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) 4
هذه الوشيجة الربانية والعلاقة الإنسانية أبى الله عز وجل إلا أن يصفها بالميثاق الغليظ5 بقوله:
( وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) 6
ومن العجيب أن هذا الوصف"الميثاق الغليظ"لم يطلق في القرآن إلا على معنيين:
أولهما ميثاق الله عز وجل مع النبيئين وأقوامهم على الإيمان والإسلام بقوله تعالى:
( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) 7