فهرس الكتاب

الصفحة 2229 من 3657

وفي المقابل هناك من ينفي كون الكتابي مشركاً، ويحتج بأن الله فَصَل بين أهل الكتاب والمشركين في قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى"والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على"كل شيء شهيد (1) . وقوله: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين (2) . وقوله عز وجل: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين (3) . وقوله ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين (4) . فهذا -كما يقول - عطف على معطوف عليه، والعطف هنا يقتضي المغايرة.

ومن يقول هذا قد يقول أيضاً إن اليهود ليسوا كلهم مشركين، وأن من يقول منهم إن عزير ابن الله هم طائفة صغيرة من أتباع فنحاص (5) كما قد يقول إن النصارى ليسوا كلهم يعتقدون في ألوهية عيسى أو يشركونه مع الله ،وأن من يقول ذلك بعض طوائفهم. والأقوال في هذا لا تنتهي .

قلت: وأياً كانت الحجج والأقاويل في هذا، فإن سلف الأمة وخلفها من علمائها وفقهائها ومفسريها فهموا من كتاب ربهم ومن سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم تحريم نكاح المسلمة من الكتابي، ولم يمار في هذا الفهم أحد منهم، وقد أشرنا آنفاً إلى ما قاله في ذلك علماء التفسير. أما في الفقه، ففي مذهب الإمام أبي حنيفة قال الإمام الكاساني:"إن المرأة إذا كانت مسلمة فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر، بدلالة قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركين حتى"يؤمنوا . ولأن في نكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر، لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادة يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال، ويقلدنهم في الدين ... إلى قوله: فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي، كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي، لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (1) . فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل، وهذا لا يجوز (2) .

وفي مذهب الإمام مالك قال في شرح منح الجليل فيمنع عقد النكاح لمسلمة، فلا ولاية لكافر سواء كان ذمياً أو حربياً أو مرتداً على مسلمة لقول الله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (3) . وقال ابن جزي إن نكاح كافر مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع (4) .

وفي مذهب الإمام الشافعي قال الإمام الماوردي في الحاوي: المسلمة لا تحل لكافر بحال، سواء كان الكافر كتابياً أو وثنياً (5) .

وفي مذهب الإمام أحمد قال الإمام ابن مفلح في المبدع: لا يحل لمسلمة نكاح كافر لا نعلم فيه خلافاً (6) . وفي المغني قال الإمام ابن قدامة: لا يجوز لكافر نكاح مسلمة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (1) .

وفي المذهب الظاهري قال الإمام أبو محمد علي بن حزم: ولا يحل لمسلمة نكاح غير مسلم أصلاً (2) .

قلت: هذه هي النصوص بحرفيتها كما وردت في الكتاب والسنة وفي كتب الأئمة، وحين ننقلها فإنما هو لبيان الحق وبراءة للذمة، وأياً كان القول حول كون الكتابي مشركاً أم غير مشرك فإن إجماع الأمة وسلفها وخلفها منعقد على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم، أياً كانت صفته، والإجماع حجة ثابتة فهو المصدر الثالث لشريعة الله، وعامة العلماء على أن منكره يكفر .

الوجه الثاني: دوافع هذه الفتوى وأهدافها:

لا أحد يعرف على وجه التحديد دوافع هذه الفتوى التي صدرت من هذا الشخص أو ذاك، خاصة وأن هذه المسألة لم تكن قضية أو مشكلة بين المسلمين وأهل الكتاب، وأراد هذان الرجلان البحث عن حل لها؛ حتى الذين يتعصبون للمرأة ويقولون إنهم يدافعون عن حقوقها لم يطالبوا بما أفتى به هذان الرجلان.

نعم: نحن لم نفهم أن تحريم زواج المسلمة من غير المسلم يجرها إلى الوراء كما قال أحد الرجلين، بل إن هذا قول لا يقوله عاقل. قد يكون لهذا وأمثاله بواطن وسلوكيات لا نعرفها، وقد يكونون في مرحلة من الخلل الفكري الذي يحدث عندما تنحرف النفس فتختلط عليها الألوان فتراها على غير حقيقتها.

وربما يذهب الظن إلى أن هؤلاء إنما يبحثون عن منافع لا يستطيعون الوصول إليها إلا إذا أفتوا بمثل هذه الفتاوى، لتكون وسيلتهم للوصول إلى هذه المنافع، بعد أن ظنوا أن الأمة في حال من الضعف قد لا تستطيع فيه مواجهتهم، سيما وهي محاطة بظروف دولية تبحث فيها عن مأمن من فوضى القوة والسيطرة التي تسود العالم أو بعض أجزائه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت