وفي الكتاب أيضاً قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن (1) . قال الإمام القرطبي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن المراد إذا هاجرت المؤمنات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركن أزواجهن المشركين فامتحنوهن قيل: إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها فقالت: سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بامتحانهن. واختلف فيما كان يمتحنهن به، فقال ابن عباس: كانت المحنة أن تُستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقاً لرجل منَّا؛ بل حُبّاً لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إلَه إلا هو على ذلك، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردّها؛ فذلك قوله تعالى: فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن .
وقيل إن المحنة كانت أن تشهد أن لا إلَه إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ قاله ابن عباس أيضاً .
قوله تعالى: الله أعلم بإيمانهن أي هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن، لأنه مُتَولِّي السرائر. فإن علمتموهن مؤمنات أي بما يظهر من الإيمان. وقيل: إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن أي لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة. وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا هجرتها (2) .
وقال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية:"كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إلَه إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وقال مجاهد فامتحنوهن فاسألوهن عما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو سخطة أو غيرة ولم يؤمنَّ فارجعوهن إلى أزواجهن، وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا ولا فرار من زوجك فذلك قوله فامتحنوهن . وقال قتادة كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن، وقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً. وقوله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أمر أبي العاص بن الربيع زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب -رضي الله عنها- وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر، بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا) . ففعلوا فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فَوَفَى له بذلك وصَدَقَه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زيد بن حارثة -رضي الله عنه- فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان، فردها عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقاً" (1) .
والسؤال في هذا المقام هل يعد الكتابي في حكم المشرك فيحرم زواج المسلمة منه ؟ يجيب عن هذا السؤال فريقان: الأول- يرى أن هذا التحريم هو الأصل القاطع الذي لا مجال للخلاف فيه، استدلالاً وعملاً بقول الله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله (1) . وقوله عز ذكره: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد (2) . وقوله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (3) . واستدلالاً كذلك بأن عبدالله بن عمر لما سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال:"إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى وهو عبد من عباد الله" (4) . فإذا كان هذا في حق زواج المسلم منها فهو في حق زواج غير المسلم منها أولى وآكد، كما يستدل أيضاً بأن الكثير من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب، وإن النقل قد تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمي كل من كان كافراً بالمشرك (5) .