قال جماعة: نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع حين اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يعصمك مني يا محمد؟ كما تقدم في"النساء". وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه. وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم. وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات. وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث (بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة) وقد ضم بعضهم الغين، والأول أصح. وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه دعثور بن الحارث، وذكر أنه أسلم كما تقدم. وذكر محمد بن إسحاق أن اسمه عمرو بن جحاش وهو أخو بني النضير. وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير هذه القصة. والله أعلم. وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى الله عليه وسلم الله منهم. قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق."أن يبسطوا إليكم أيديهم"أي بالسوء."فكف أيديهم عنكم"أي منعهم.
وقال السعدي رحمه الله
قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) .
هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بأعظم الأوامر وأجلها، وهو: التبليغ لما أنزل الله إليه. ويدخل في هذا، كل أمر تلقته الأمة عنه صلى الله عليه وسلم، من العقائد، والأعمال، والأقوال، والأحكام الشرعية، والمطالب الإلهية. فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ، ودعا، وأنذر، وبشر، ويسر، وعلم الجهال الأميين، حتى صاروا من العلماء الربانيين. وبلغ، بقوله، وفعله، وكتبه، ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة، من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين، ورجال المسلمين."وإن لم تفعل"أي: لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك"فما بلغت رسالته"أي: فما امتثلت أمره ."والله يعصمك من الناس"هذه حماية وعصمة من الله، لرسوله من الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ، ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله، وقد تكفل بعصمتك، فأنت إنما عليك البلاغ المبين، فمن اهتدى، فلنفسه. وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم، ولا يوفقهم للخير، بسبب كفرهم .
وقال ابن عطية رحمه الله
وقال عبد الله بن شقيق كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعقبه أصحابه يحرسونه فلما نزلت (والله يعصمك من الناس) خرج فقال: يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني... وقال محمد بن كعب القرظي نزلت (والله يعصمك من الناس) بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله به... قال القاضي أبو محمد: هو غورث بن الحارث والقصة في غزوة ذات الرقاع... وقال ابن جريج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهاب قريشًا فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: (والله يعصمك من الناس) استلقى وقال: من شاء فليخذلني... مرتين أو ثلاثا و (يعصمك) معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية.. ومنه قوله تعالى (يعصمني من الماء) .. ومنه قول الشاعر (فقلت عليكم مالكا إن مالكا سيعصمكم إن كان في الناس عاصم) .. وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه وأما أقوال الكفار ونحوها فليست في الآية... وقوله تعالى _ (لا يهدي القوم الكافرين) إما على الخصوص فيمن سبق في علم أنه لا يؤمن وإما على العموم على أن لا هداية في الكفر ولا يهدي الله الكافر في سبل كفره..
(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)
كان الفراغ من جمعه وتأليفه
يوم 11 صفر الخير 1427
أبو يوسف محمد زايد.
الكاتب: سناء الشاذلي
تتغنى دعوات بشرية شتّى بحضاراتها، وتزعم أنها الأصلح للمجتمعات، وأن عليها أخذها كنموذج طُبق وقطفت ثماره في كل حين وفي كل لون.
غير أن ثمة ما ينفي ذلك الادعاء، لخروج فئة أخرى من جلدة تلك الحضارة تنفي وتفند تلك الأكذوبة، وتقف كحاجز حصين ضد ما سمّوه حضارة، وضد ما يُطلق عليه تقدم أوتطور، لم يؤد إلا إلى مزيد من دمار وانحدار في حضارات لم تفرق بين الخير والشر, وصدرت الأمراض والتشوهات والشذوذ والأمراض النفسية والانتحارات, بدعوى حضارية المنهج والهدف والسلوك، ما أدى إلى قيام مجموعات عدة بحملة قوية تدعو إلى العودة إلى الأخلاق والتنقيب عنها في أمهات الكتب، وأخذ ما يفيد من الماضي والحاضر، بغية إنقاذ البقية الباقية من بشرية خاضت الحضارة بشكل خاطئ.