قوله تعالى:"والله يعصمك من الناس"فيه دليل على نبوته؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم، ومن ضمِن اللهُ سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به. وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: من يمنعك مني؟ فقال: الله؛ فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده؛ وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه؛ ذكره المهدوي. وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال: وقد رويت هذه القصة في الصحيح، وأن غورث بن الحارث صاحب القصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه؛ فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله:"إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم" [المائدة: 11] مستوفى، .... وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع وسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف مصلتا في يده فقال لي: من يمنعك مني؟ - قال - قلت الله... ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟- قال - قلت الله... قال فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية) وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل:"والله يعصمك من الناس"فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا احتاج إلى من يحرسني] .
قلت: وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة، وأن الآية مكية وليس كذلك، وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع؛ ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة ليلة فقال: [ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة] قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح؛ فقال: [من هذا] ؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما جاء بك] ؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام. وفي غير الصحيح قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح؛ فقال: [من هذا] ؟ فقالوا: سعد وحذيفة جئنا نحرسك؛ فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية؛ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة آدم وقال: [انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله] .
وقرأ أهل المدينة:"رسالته"على الجميع. وأبو عمرو وأهل الكوفة:"رسالته"على التوحيد؛ قال النحاس: والقراءتان حسنتان والجمع أبين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه، والإفراد يدل على الكثرة؛ فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله:"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" [إبراهيم: 34] ."إن الله لا يهدي القوم الكافرين"أي لا يرشدهم وقد تقدم. وقيل: أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا. نظيره"ما على الرسول إلا البلاغ" [المائدة:99] والله أعلم.
وقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (المائدة 11) .