ذكر المؤلف في شجاعة أن الكتاب: جمع وإعداد، وليس تأليفاً، وهذا يعفيه من النقد، ويُحمد له، أن قدم لنا معاني كانت في حاجة إلى التحليل، الذي خلت منه بعض كتب التراث التي اهتمت بسرد الأحداث، لكنها حفظت لنا أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية. إن الهجرة حفلت بالكثير من المؤلفات عدا ما دونته كتب السيرة قديماً وحديثاً، وهذا ما جعل مهمة من يكتب عن الهجرة شاقة؛ إذ لا بد من أن يضيف جديداً، ونجح المؤلف جهد استطاعته.
ويُؤخذ على هذه الدراسة: أن المؤلف خرج على الموضوع الأساسي أحياناً، صحيح أن ما زاده تضمن معاني جديرة بالاهتمام، كذلك كنا نود أن يربط الهجرة النبوية بالمعاصر، وقد أصبحت الأمة المسلمة التي أرادها الله خير أمة أخرجت للناس ـ عاجزة حتى عن الدفاع في مواجهة التحديات الشرسة، وذلك بعد أن كانت رأساً، و أصبحت تابعاً بعد أن كانت متبوعاً، وبقي أن نقول: إن المؤلف بذل جهداً كبيراً وشاقاً، وقدم لنا دراسة معاصرة يحتاجها الشباب قبل الشيوخ.
وبقي سؤال يطرح نفسه، وفي أسى مرير: أين اليوم من الهجرة التي لم تكن نقطة تحول في تاريخ دعوة المسلمين ـ وحسب ـ بل كذلك أرادها الله ـ عز وجل ـ منهجاً ومعنى وبرنامج عمل للمسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ودرساً يجب أن يعيه المسلم في كل زمان ومكان.. فهل يليق بنا ألاّ نذكر الهجرة إلا أياماً معدودات في كل عام: أحاديث ومقالات يغلب عليها التكرار شبه الممل، ثم ننساها بعد ذلك؟
وحسبنا هنا أن نتوقف عند قضية لها أهميتها، أعني قضية ـ أو محنة ـ الأقليات المسلمة في شتى بقاع المعمورة، والعديد من هذه الأقليات تُشن عليها حروب إبادة شرسة، كما في الفلبين وبورما وتايلاند، وغيرها، إن كتاب الله تعالى كتب علينا الجهاد من أجل إخوة لنا في العقيدة مستضعفين في الأرض، وفي سورة النساء ـ: ( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) . [النساء:75] . ولا جدال في أن الجهاد هنا فرض عين لا فرض كفاية، وإذا كان عقد الأمة الإسلامية اليوم قد انفرط، ولم يكن للدولة الإسلامية وجود.. نملك السلاح لا لنقاتل به الأعداء، بل ليقاتل به المسلم أخاه المسلم. دونما اعتبار لتحذير الرسول لنا في خطبة الوداع:"لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"وقوله في الصحيح المتفق عليه:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه".
أقول إذا كنا عاجزين عن الجهاد المسلح، فلماذا لا نلجأ إلى سلاح آخر: جهاد المقاطعة، وهو سلاح له خطورته، وإذا كان هذا السلاح تقرر بالنسبة للثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك وهم مسلمون، فمن باب أولى المعتدون على إخواننا من غير المسلمين، والمفاجأة التي ترتجّ لها السماوات السبع. هي أننا أصبحنا أصدقاء لأعدائنا، نمنحهم الولاء، ضاربين عرض الحائط بقوله تعالى محذراً في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) . [المائدة:51-52] . وأخيراً.. وليس آخراً: فليتنا نعي اليوم كلمات الشيخ شلتوت ـ رحمه الله-:"كانت الهجرة من بين الأحداث كلها جديرة أن تتجه إليها الأنظار، ويُتّخذ منها مبدأ للتاريخ الإسلامي، ليكون للمسلمين من ذكراها في كل عام، ومن التوقيت بها في مكاتباتهم وعقودهم وأحداثهم العامة والخاصة درس متصل الحلقات، يساير حياتهم كلها". ولله الأمر من قبل ومن بعد.
جريدة السياسية الكويتية
كتبه: محمد يوسف المليفي