يرى الشيخ محمود شلتوت ـ شيخ الأزهر الأسبق ـ في دراسته:"الإسلام والوجود الدولي للمسلمين"العدد الثالث من"سلسلة الثقافة الإسلامية"التي كنت أصدرتها (1958 ـ 1965 ) ! أن حادثة الهجرة، كانت نقطة تحوّل في تاريخ البناء الإسلامي، لتقوم فوق الأرض الجديدة ـ يثرب ـ دولة ذات منهج ونظام وهدف، والهجرة من الأحداث الفذة التي كانت تمهيداً لتثبيت البناء الإسلامي، وميلاد دولة داخل إطار من القوة، وبذلك أصبحت (الهجرة) من الأحداث الإسلامية الكبرى التي يجب أن تحمل العظمة في نفس كل مسلم.
ويضيف الشيخ:"وقد عُني المؤرخون كثيراً ـ وهم يتكلمون على هذا الحدث ـ بذكر حوادث الإيذاء التي كانت تتصل بالرسول وأصحابه الذين لبّوا دعوته، ومن هنا ألبسه أرباب الهوى الخاص ـ وهم يكتبون سيرة (النبي العربي) ـ ثوب الفرار وعدم الصبر والاحتمال في القيام برسالته، ولم يتورّعوا ـ إمعاناً فيما يشتهون ـ أن يلصقوا كلمة (النبي الفار) وقد ظنوا أن هذا الثوب المهلهل الذي خلعوه على هذا الحادث العظيم، يستطيع أن يستر الحقيقة التي يحملها بين جنبيه، والتي لم تلبث ـ بعد الوصول إلى المدينة، أن سطع نورها، وانتشر أريجها، وبدأت الغشاوة التي وضعها الجهل على العقل البشري حيناً من الدهر، والواقع أن هذه الهجرة (البدنية) لم تكن إلا أثراً من آثار هجرة القلوب، عما كان عليه القوم من عقائد فاسدة، وشرائع باطلة، وعقائد وتقاليد، كان لها في هدم الإنسانية، ما ليس للمعاول القوية في تقويض البناء الشامخ العنيد".
وأقول: إن الهجرة كانت لتأكيد علمية الإسلام، وهي حقيقة حاول بعض المستشرقين ذوي الأهواء أن يطمسوها، متجاهلين ما أقره القرآن ـ كتاب الله ـ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ـ وقد تصدى عملاق الأدب الأستاذ العقاد لقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا...) . [الشورى: من الآية7] لتنذر أم القرى ومن حولها، يقول:"وأياً كان القول في اللغة التي تكلم بها النبي، وفي صلاح هذه اللغة للدعوة العالمية، فإن النوع الإنساني يشمل أم القرى (مكة) وما حولها، ولا تعتبر هداية أهلها عزلاً لهم عمن عداهم من الناس؛ إذ كان خطاب الناس كافة يمنع أن يكون الخطاب مقصوراً على (أم القرى) ومن حولها، ولكن خطابه (أم القرى) ومن حولها، لا يمنع أن يعم الناس أجمعين.."
فكيف يسيغ العقل أن يكون صاحب الدعوة المحمدية ـ خاتم النبيين ـ إذا كانت رسالته مقصورة على قوم لم يأتهم من قبل نذير؟! إن طائفة من المستشرقين تسيغ ما لا يسيغه العقل في أمر القرآن وأمر الإسلام"."
ظهر حديثاً للشيخ عبد الجواد أحمد عبد المولى-الإمام والخطيب والمدرس بالأوقاف ـ كتاب يحمل عنوان"الدروس التربوية الدعوية من الهجرة النبوية"في زهاء مائتي صفحة من القطع الكبير، أشار في المقدمة إلى أن ما أراده من كتابه: دعوة للتفكر والتدبر، لبعض صفحات التاريخ الإسلامي، وبخاصة تاريخ الرسول وجهاده في هجرته، لنتعرف على سنن الله في خلقه، وسننه في أرضه، وسنن الله الثابتة لا تقبل تبديلاً ولا تحويلاً، والهجرة تبين لنا كيف أخذ المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بالأسباب الأرضية، وتوكل ـ في نفس الوقت ـ على الله، ولا تضادّ بينهما ـ وقد تعامل سلف هذه الأمة مع السنن الكونية، فسادوا العالم، ولم يع الخلف هذا المعنى، مما جعل الأمة اليوم في حال يُرثى لها ..
وما عرض له المؤلف:
ـ الهجرة النبوية المحمدية لم تكن بدعة، بل سنة قديمة، فقد هاجر من أنبياء الله: إبراهيم ولوط وموسى عليهم السلام.
ـ أسباب الهجرة: ذكر المؤلف الأسباب التقليدية التي سجلتها كتب السيرة، وكنت أود أن يهتم بمسألة ذات أهمية خاصة، وهي أن الهجرة كانت استجابة لأمر الله، ولم تكن مجرد خاطرة خطرت على بال الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فراراً من الأذى، فالله ـ عز جل ـ هو الذي قدر بعد أن حققت الدعوة أهدافها في مكة التي لم تكن تصلح لإقامة دولة .
ـ عوامل نجاح الهجرة: وضوح الهدف، المعرفة، اختيار الوقت المناسب، ولعامل التوقيت أهمية متنامية في عملية التخطيط، القدرة على مواجهة الظروف المتغيرة، إخلاص القائمين على التنفيذ، التهيئة والإعداد النفسي، ونسي المؤلف: عناية الله، وهي الأساس وفوق كل شيء.
ـ مظاهر نجاح الهجرة: خسرت قريش موازين القوى التي توارثتها على مدى قرون وزال عنها سلطانها، لم تعد قريش حاجزا في وجه الدعوة الإسلامية، إذا أسقطت الهجرة هيبتها من نفوس المستضعفين الخائفين..