فهرس الكتاب

الصفحة 3035 من 3657

والعلم - النور الذي يهدي الإنسان إلى الحق - يصبح ذريعة الناس إلى الباطل، في كل منحى من مناحي الحياة! في البحوث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية والفكرية والروحية، وكل بحث من البحوث!

والعلم - الذي"يعرف به الحلال والحرام"- يصبح أداة الفسق والخروج على الأخلاق، بنظريات"علمية"تؤيد الفساد!

والعلم - طريق الإنسان إلى الخير البشري - يصبح أداة التحطيم لهذه البشرية، يهددها بالموت المرعب كأبشع ما شهده الإنسان.. وما تزال تجربته"الصغيرة"في هيروشيما ونجازاكي ماثلة في الأذهان!

ذلك لأنه لم يعد"فريضة".. وإنما مطية من مطايا الشهوات!

والمسلمون اليوم في حاجة إلى حكمة رسولهم يتدبرونها، ويتشربونها إلى الأعماق.

في حاجة لأن يُرجعوا إلى العلم قداسته واحترامه. وقد صاروا يتلهون به في عبث فاضح لا يليق بالبشر العاديين فضلاً عن المسلمين.

إنهم يأخذونه في استخفاف العابث.. إن كانوا طلبة في المدارس والمعاهد، أو"أساتذة"يدرسون للطلاب! غايته الوظيفة أو الكسب أو الشهرة من أقرب طريق. ووسيلته الغش والخداع والتلفيق!

إنهم لا يعطونه من الجد والعناية والاحترام حتى ما تعطيه أوربا الكافرة ؛ وهم أولى من الأوربيين بالتقاليد العلمية العريقة التي سار عليها جدودهم حين كانوا يعيشون في ظل الإسلام، ويستمدون من روح الإسلام.

لذلك هم في حاجة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، يردهم إلى احترام العلم وتقديره، ويعيدهم لروح الجد والإخلاص.

وهم في حاجة إليه كذلك ليعيدوا السلام للقلب البشري الممزق بين الدين والعلم، والدين والحياة، الغارق من جراء ذلك في تيار الشر والضلال، وهم - وحدهم، حين يؤمنون بالله ويؤمنون بأنفسهم - الذين يستطيعون عقد السلام في ذلك القلب، بعقيدتهم الفريدة التي توحد طريق الدين وطريق العلم.. بل توحد السماء والأرض، وتصل العمل بالعبادة والدنيا بالآخرة: وتصل المعرفة بطريق الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[5] رواه ابن ماجه.

[6] رواه أحمد عن أنس بن مالك.

[7] من حديث رواه ابن عبد البر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

[8] سورة فاطر [ 28 ] .

[9] سورة آل عمران [ 190 - 191 ] .

[10] "... فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ"سورة الملك [ 15 ] .

[11] سورة آل عمران [ 193 - 194 ] .

[12] رواه ابن عبد البر عن معاذ: الترغيب والترهيب ج 1 ص 58 رقم 8.

قَبَسَاتٌ مِنَ الرسول صلى الله عليه وسلم (3) قبل أن تدعوا فلا أجيب

عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ وما كلم أحداً، فلصقت بالحجرة أستمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:"يا أيها الناس. إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم". فما زاد عليهن حتى نزل. رواخ ابن ماجه وابن حبان في صحيحه [13] .

يا الله! أو حقاً يدعو الناس فلا يستجيب الله لهم؟ الله الذي يقول: وسعت رحمتي كل شيء؟ الله الذي يقول: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) ؟

هل يمكن أن يحدث ذلك؟

صدق الله. وصدق رسوله. وما يمكن أن يكون ذلك إلا حقاً!

وإنه لحق ترتجف له النفس فرقاً ويقشعر الوجدان رعباً.

وماذا يبقى للناس إذن؟ ماذا يبقى لهم إذا أوصدت من دونهم رحمة الله؟ ولمن يلجئون في هذا الكون العريض كله وقد أوصد الباب الأكبر الذي توصد بعده جميع الأبواب.. ويبقى الإنسان في العراء. العراء الكامل الذي لا يستره شيء، ولا يحميه شيء من لفحة الهاجرة وقسوة الزمهرير؟

ألا إنه الهول البشع الذي يتحامى الخيال ذاته أن يتخيله.. لأنه أفظع من أن يطيقه الخيال.

الخيط الذي يمسكه بالقدرة القاهرة القادرة قد انقطع.. فراح يهوي. يهوي إلى حيث لا يعلم أحد ولا يلاحقه خيال. يهوي في الظلمات. يتقلب على الدوام. يصطدم في كل شيء. يتحطم.. تتمزق أوصاله.. يتناثر في كل اتجاه.. وكل"جزء"من نفسه يذوق من الآلام ما لا يطيق: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [14] .

ذلك هو المخلوق البائس الذي يدعو الله فلا يجيبه، ويسأله فلا يعطيه، ويستنصره فلا ينصره.

فهل كتب الله ذلك الهول البشع على عباده - المسلمين - الذين يدعونه ويسألونه ويستنصرونه؟!

نعم.. حين يكفون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولو بأضعف الإيمان.

لقد اقتضت إرادة الله أن يكون الإنسان خليفة في الأرض.

واقتضت إرادته كذلك أن يكون الإنسان - الذي يستمد قوته من الله - هو القوة الفعالة في هذا الوجود.

(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت