وبهذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية - في أعماق اللا شعور - يحس الغربيون أن كل خطوة يخطوها"العلم"ترفع الإنسان فوق نفسه درجة، وتنزل الإله من عليائه بنفس القدر!
وتظل"المعركة"هكذا دائرة: كل فتح جديد من فتوحات العلم يخفض الإله ويرفع الإنسان، حتى تأتي اللحظة المرقوبة التي يتحلب لها ريق الغرب ويتلهف إليها، اللحظة التي"يخلق"فيها الإنسان الحياة، ويصبح هو الله!
وليس هذا التعبير من عندنا نصور به أفكار القوم. فهو نص تعبيرهم، قاله جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث". كما قاله غيره من العلماء الأوروبيين وهم ينددون بفكرة الله وفكرة الدين!
هذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية كان خانساً لا شك تحت القشرة المسيحية التي ظلت تطبع النفوس الأوربية بضعة قرون. وما كادت القشرة تتفتت بفعل الصراع العنيف الذي قام بين الكنيسة ودارون، أو بين الدين بمفهومه الرسمي وبين العلم، حتى برز على السطح ما كان متوارياً من قبل، وصار"العلماء"يجهرون بالعداوة السافرة، ويتعمدون البعد عن الدين والعقيدة، وينشرون هذه الآراء الكافرة التي تقول إن الإنسان هو الذي خلق الله، وليس الله هو الذي خلق الإنسان!!
ومن أجل هذه الروح الوثنية في حقيقتها - ولو تدينت في ظاهرها - من أجل هذه الروح النافرة من العقيدة، المستكبرة على العبادة، نجد هذه المفارقة العجيبة بين الحسن بن الهيثم في الإسلام ودارون في أوربا. فبينما الحسن بن الهيثم وهو يكتب في البصريات - في موضوع علمي بحت جاف لا ترفرف حوله نداوة المشاعر ولا أنوار العقيدة - يبدأ حديثه باسم الله، ويحمده ويطلب منه التوفيق، نجد دارون - وهو يكتب عن"الحياة"و"الأحياء"و"التطور"، عن موضوع يشهد بمعجزة الخلق ويكشف عن يد الخالق المبدعة في كل خطوة، ويستجيش الوجدان بالخشوع والعبادة - نجده ينفر من ذكر الله، ويروح يستتر في"الطبيعة"التي يقول عنها"إنها تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها!"سبحان الله! وما الله إذن إن كانت هذه هي الطبيعة؟ وكيف تقسو القلوب حتى تمنع نفسها منعاً من ذكر الله بصريح لفظه وصفته في هذا المقام؟! ولا يكتفي بذلك - وهو واضح الدلالة - فتعمى بصيرته عن القصد والتدبير في خلق الخالق المدبر، فيروح يصف إلهه الجديد الذي يسجد له - الطبيعة - بأنه يخبط خبط عشواء! لغير شيء سوى أنه - وهو البشر المحدود الطاقة الضئيل العلم - لم يستطع أن يدرك كل أسرار الحياة!
وما نريد أن نظلمهم.. أولئك العلماء!
فربما كانت ظروفهم المحلية في أوربا هي التي كفرتهم من الدين! وربما كانت الوحشية البشعة التي كانت الكنيسة الأوربية تعامل بها العلماء من أمثال كوبرنيكوس وجاليليو، فتعذبهم وتحرقهم من أجل نظرياتهم العلمية التي تخالف المعلومات"المقدسة"التي تتشبث بها الكنيسة.. ربما كانت هذه الوحشية هي التي أوجدت الخصومة والبغضاء بين"العلماء"والدين!
ولكننا نتبع فقط حوادث التاريخ..
فمنذ حدثت هذه الفرقة العنيفة بين الدين والعلم في أوربا.. منذ سار كل منهما في طريق يخالف الآخر ويناصبه العداء.. شملت الغرب كله فلسفة مادية ملحدة كافرة، لا تؤمن بالله، ولا تحكّمه في أمر من أمور الحياة، وفي أمر العلم خاصة من بين كل أمور الحياة!
ومضت الموجة التي أطلقها دارون تأخذ آخر مداها.. فتجرف من طريق العلم كل التراث الإنساني الخالد من عقيدة وأخلاق وتقاليد..
وطلع إلى الوجود من بعد دارون فرويد وماركس يلوثان العقيدة ويصوران النفس الإنسانية صورة بشعة مليئة بالأقذار.. أقذار الجنس عند فرويد، وأحقاد الصراع الطبقي عند ماركس.
وطلع علماء كثيرون.. في الطبيعة والكيمياء والفلك والرياضة والطب.. يشتملون على عبقريات جبارة، ويفتحون آفاقاً جبارة في هذه العلوم.. ولكنهم - مع الأسف - يرفضون السير في طريق العقيدة ويتنكبون - عن عمد - هداية الله!
لقد وعت أوربا جانباً من الدرس، حين اختلطت بالمسلمين في الأندلس، ونقلت عنهم المعارف وطريقة الدراسة.
أخذت عنهم الجد والقصد والعزيمة.. والصبر والجلد والكفاح.
أخذت عنهم احترام العلم والتوفر على البحث والإخلاص في الدراسة.
ولكنها أبت أن تأخذ الله، وتأخذ العقيدة.
ولقد وقعت الشعلة المقدسة - شعلة المعرفة - من أيدي المسلمين حين شغلتهم الفتن واللذائذ عن المضي في الطريق.. فتلقفتها أوربا. وسارت بها قدماً.. خطوات جبارة في كل ميدان. حتى فجرت الذرة وأطلقت طاقتها في الفضاء..
ولكنها لم تكن تسير في طريق الله. لم تكن تأخذ العلم فريضة كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم. فريضة تؤدى إلى الله، ويتقرب بها الإنسان من حماه.
وإذا تخلى العلم عن الله فقد تلقفه الشيطان.. وسار به في طريق الشر، وأبعد في طريق الضلال.
أول الشر أن العلم - منحة الله إلى الإنسان - يصبح أداة الكفر، ويبعد الإنسان عن الله!