فهرس الكتاب

الصفحة 3033 من 3657

والمزية الثانية في علوم المسلمين - الناشئة كذلك من كون العلم فريضة - أنها لم تستخدم قط في الشر أو الإيذاء!

وكيف يستخدم العلم في الشر وهو فريضة وعبادة؟

"تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة" [12] .

فأين ينبغ الشر في هذا الطريق الذي تحفه خشية الله، وعبادته، وتسبيحه، والتقرب إليه؟

ولقد يخطر على البال أن علوم المسلمين لم تستخدم في الشر لأنها كانت بدائية بسيطة لا تصلح للشر، إذا قيست بطاقة الذرة وعلوم"التدمير"في القرن العشرين!

والواقع ليس كذلك! فإن علوماً أدنى من علوم المسلمين وأبسط - في مصر الفرعونية وبابل - كانت تقدر على الشر وتستخدم فيه!

فقد استخدم الكهنة في مصر القديمة - وكانوا في الأغلب هم العلماء - استخدموا معارف الكيمياء والطب والنجوم في السحر، والاستحواذ على الأموال بالباطل، والتوصل إلى السلطان المطلق على القلوب والأرواح والأجسام والعقول، والتحكم في كل أمور الناس بالعبودية والإذلال.

وكانوا يستأثرون بهذا العلم لا يبيحونه للناس، إيثاراً لأنفسهم بالنفع، واستحواذاً على السلطان الكافر الذي يذلون به العبيد.. عبيد فرعون وعبيد الكهان، وهم"الشعب"كله بلا تفريق.

ولو أراد المسلمون أن يستخدموا العلم للشر فلم تكن لتمنعهم بساطة علومهم، ولا تعجزهم عن عمل السوء..

أقرب الشر أن يصرفوا به القلوب عن الله.

وأن يضحكوا به على السذج والجهلاء فينالوا المال المتدفق وينالوا السلطان.

وأن يحبسوه عن العامة..

وأن يتزلفوا به إلى الملوك والسلاطين..

وأن يلتووا به ليبرروا مظالم السلطان.

وهذا هو التاريخ.. صفحة رائقة مشرقة مضيئة.. تشهد أن العلم الإسلامي لم يسع للشر ولم يستخدم للشر. بل أراد دائماً وجه الله وتوجه إلى الخير. ووقف في مرات كثيرة أمام السلطان الجائر يطالبه بحق الله وحق الكادحين..

ذلك أنه كان فريضة إلى الله، يتقرب بها العلماء إلى حماه.

والآن نطوي تلك الصفحة المشرقة المضيئة لنطلع على صفحة أخرى.. صفحة الغرب.

أوربا هي وريثة الإمبراطورية الرومانية والثقافة الإغريقية. وما تزال حضارتها المادية وتياراتها الفكرية تستمد من هذين المنبعين، بشعور من الأوربيين أوبغير شعور.

وقد ورثت أوربا - فيما ورثته من تاريخها المبكر - طريقة إحساسها بالله واعتقادها في الدين.

وينبغي أن نعرف أن أوربا لم تكن نصرانية حقة في يوم من الأيام! على الرغم من انتشار المسيحية فيها، وتعصب الأوربيين لها في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش. وعلى الرغم مما لا يزال يرد على بعض الألسنة الغربية حين تتحدث عن"الحضارة المسيحية"!

كلا! لم تكن تطبق الدين الحق في يوم من الأيام. وإنما كان قصارى المسيحية عندهم أن تلين لها قلوبهم في المعبد، وتتأثر أرواحهم بأنغامها السجية وسبحاتها الروحية المرفرفة، ولكنها لا تحكم الحياة العامة، ولا تحكم في أمر هذه الأرض. فإذا خرج الناس من صلاتهم في المعبد ارتدت عنهم روح الدين، وعادوا إلى الوثنية الرومانية الإغريقية القديمة، يستمدون منها أفكارهم ومشاعرهم، وتشريعاتهم وتنظيماتهم وكل حضارتهم المادية العريقة..!

وأياً ما كان الأمر فقد ظلت في لا شعور الأوربيين - تحت القشرة المسيحية الرقيقة - تلك النظرة الإغريقية إلى الله، تؤثر في وجدانهم نحوه، وتطبع إحساسهم الديني في الأعماق.

فكيف كانت الأسطورة الإغريقية تصور الله.. أو الآلهة؟

لن نستعرض هنا الأساطير كلها، ولا الصورة الزرية التي كانت تعرض بها الآلهة، فتصورهم - على أحسن تقدير - بشراً فائقي القوة، ولكن نفوسهم مشحونة بالنزوات الطائشة والانحرافات النزقة التي يتورع عنها البشر العاديون.. وإنما نستعرض أسطورة واحدة ذات دلالة في موضوع"العلم"هي برومثيوس سارق النار المقدسة!

هذه الأسطورة تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة صراع دائم وضغينة وأحقاد. علاقة لا ترف فيها مشاعر الرحمة أو العطف أو المودة.. ولا يهدأ أوراها حتى يشتعل من جديد.

والمعركة قائمة على النار المقدسة: نار"المعرفة"! البشر يريدون أن يستولوا على هذه النار المقدسة، ليعرفوا أسرار الكون كلها، ويصبحوا آلهة! والآلهة تردهم عنها في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتتفرد دونهم بالسلطان!

تلك إذن هي طبيعة العلاقة بين البشر والله! العلاقة التي اندست في أوهام الأوروبيين، وصارت تصرف أفكارهم ومشاعرهم بغير وعي. العجز وحده هو الذي يخضعهم لمشيئة الله! وهم غير راضين عن هذا العجز ولا ساكتين عنه. فهم في محاولة دائمة يطلبون"القوة"ويطلبون"المعرفة". يحاولون دائماً أن يقهروا هذا العجز. أو يقهروا - بلغتهم - قوة الطبيعة. أو - بلغتهم اللاشعورية أيضاً -"ينتزعون"الأسرار! ينتزعونها من الإله الوثني القديم الذي كانوا يحاولون أن ينتزعوا منه ناره المقدسة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت