فهرس الكتاب

الصفحة 2041 من 3657

وإما بقصد الذم ، كما في قوله تعالى في سورة المسد"وامرأته حمالةَ الحطب"أى امرأة أبى لهب التى كانت تحمل الشوك وتنثره في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤذيه. لأن كلمة"حمالة"جاءت منصوبة بعد رفع ما قبلها ، وهى"امرأتُه"فهذا قطع كذلك ، القصد منه الذم ، أى: أذم أو ألعن حمالة الحطب.

وأياً كان القطع للمدح أو الذم ، فإنه من أرقى الأساليب البلاغية ، يحتوى على فضيلة الإيجاز وهى أن تكون المعانى أكثر وأوفر من الألفاظ التى تدل عليها ، أو المستعملة فيها ، لأن كل كلمة قُطِعَ إعرابها عما قبلها نابت هذه الكلمة مناب ثلاثة قيم بيانية ، رامزة إلى وجودها في المقام ، وإن كانت محذوفة وهى:

1 ـ الكلام الذى عمل الإعراب المخالف في الكلمة المقطوع إعرابها عن إعراب ما قبلها ، وهو فى"الصابرين"أمدح أو أخص الصابرين بالمدح. وفى آية"المسد"أذم أو ألعن.

2 ـ إفادة المدح أو الذم بغير الألفاظ التى تدل عليهما.

3 ـ فضيلة الإيجاز البيانى المفعم بالمعانى الآسرة والدلالات الساحرة. فسبحان من هذا كلامه ‍‍!

والخلاصة:

بعد هذا البيان الموجز ، وإن طال ، لا أرانا في حاجة إلى ذكر توجيهات النحاة والمفسرين وعلماء القراءات واللغويين ، لمجئ"الصابرين"منصوباً بعد مرفوع في هذه الآية ، لأن توجيهاتهم ـ هنا ـ مثل توجيهاتهم هناك ، ولسنا في حاجة كذلك إلى الاستشهاد بالمأثور عن العرب الذين يحتج بكلامهم على قواعد اللغة ، وطرائق استعمالاتها ، لسنا في حاجة إلى ذلك ، وإن كان مفيداً ، لأن القرآن الكريم حُجة في نفسه ، غير مفتقر لإقامة الدليل من خارجه على صحة شىء فيه ، فهو النموذج الممتاز الأعلى للغة العربية ، قواعدها ، ونحوها ، وصرفها ، وبيانها ، وبلاغتها. وحسبنا في هذه الآية المعانى التى أمطنا عنها اللثام في مجىء"الصابرين"منصوباً بعد مرفوع.

(1) النساء: 162.

(2) الكشاف (1/582) .

(3) الكتاب (1/248) .

(4) إملاء ما من به الرحمن (1/202) .

(5) انظر: في هذه الشواهد الدر المصون (4/154) .

(6) انظر: الدر المصون (4/155) .

(7) البقرة: 177.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

وتكلموا على هذه الشبهة في آيتين:

الأولى:

هو قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً ) (1) .

نظروا في هذه الآية، فوقعت أعينهم على كلمة"المقيمين"فقارنوا بينها وبين ما قبلها:"الراسخون"ـ"المؤمنون"وبين ما بعدها"المؤتون"ـ"المؤمنون"فوجدوا ما قبلها وما بعدها مرفوعاً بـ"الواو"لأنه جمع مذكر سالم ؛ أما"المقيمين"فوجدوها منصوبة بـ"الياء"لأنها كذلك جمع مذكر سالم.حقه أن يرفع بـ"الواو"ينصب ويجر بـ"الياء". وسرعان ما صاحوا وقالوا إن في القرآن خطأ نحوياً من نوع جديد ، هو"عطف المنصوب على المرفوع ، أو نصب المعطوف على المرفوع".

ثم علقوا قائلين:

"وكان يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع فيقول:"والمقيمون الصلاة"، هذا هو مبلغهم من الجهل ، أو حظهم من العناد وكراهية ما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ."

الرد على الشبهة:

هذه الآية وردت في سياق الحديث عن اليهود تنصف من استحق الإنصاف منهم ، بعد أن ذم الله تعالى من عاند منهم ، وحاد عن الحق ، في الآيات التى سبقت هذه الآية.

ومجىء"المقيمين"بالياء خلافاً لنسق ما قبله وما بعده لفت أنظار النحاة والمفسرين والقراء ، فأكثروا القول في توجيهه ـ مع إجماعهم على صحته.

وقد اختلفت أراؤهم فيه وها نحن نقتصر على ذكر ما قل ودل منها في الرد على هؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ولن نذكر كل ما قيل توخياً للإيجاز المفهم.

وأشهر الآراء فيها أن"المقيمين"منصوب على الاختصاص المراد منه المدح في هذا الموضع بدلالة المقام ؛ لأن المؤدين للصلاة بكامل ما يجب لها من طهارة ومبادرة وخشوع وتمكن ، جديرون بأن يُمدحوا من الله والناس.

يقول الإمام الزمخشرى:

" و"المقيمين"نُصِبَ على المدح ، لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان " (2) .

الزمخشرى أوجز كلامه في الوجه الذى نُصب عليه"المقيمين"وهو الاختصاص مع إرادة المدح (2) .

الاختصاص هو مخالفة إعراب كلمة لإعراب ما قبلها بقصد المدح كما في هذه الآية ، أو الذم. ويسمى الاختصاص والقطع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت