وهذا يبين بكل قوة ووضوح لماذا كان"معدودة". في آية البقرة ؟ و"معدودات"فى آية آل عمران كان وصف"أياماً"فى آية البقرة"معدودة"لأن المقام فيها مقام إيجاز كما تقدم فناسب هذا المقام الإيجازى أن يكون الوصف موجزاً هكذا"معدودة".
وكان الوصف في آية آل عمران مطنباً"معدودات"بزيادة"الألف"ليناسب مقام الآية الإطنابى كما تقدم (5) .
فانظر إلى هذه الدقائق واللطائف البيانية المعجزة التى عميت عنها مدارك"الخواجات"المتعالمين.
(1) البقرة: 80.
(2) أوزان جموع القلة هى: فِعْلَة ـ أفْعَال ـ أفعُل ـ أفْعِلَة.
(3) غير العاقل هو ماعدا الإنسان من مخلوقات الله الأرضية.
(4) آل عمران: 24.
(5) انظر: ملاك التأويل ، القاطع لذوى الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه من آى التنزيل (1/281) للعلامة أحمد بن الزبير القرناطى. دار النهضة العربية.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
أما منشأ هذه الشبهة فهو قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياماً معدودات ) (1) .
والشاهد ـ عندهم ـ هو قوله عز وجل"معدودات"لأنهم يفهمون جهلا ـ أن"معدودات"جمع قلة ، وأن"معدودة"جمع كثرة ، وأيام الصيام في شهر رمضان ثلاثون يوماً. فهى أيام كثيرة يناسبها جمع الكثرة عندهم وهو"معدودة"ولكن القرآن أخطأ فوضع كلمة جمع قلة عندهم ، موضع"معدودة"وهى جمع كثرة عندهم كما تقدم. ثم عقبوا على هذا فقالوا"وكان يجب أن يجمعها جمع كثرة ، حيث أن المراد جمع كثرة ، عدته ثلاثون يوماً ، فيقول:"أياماً معدودة"."
الرد على الشبهة:
سبق أن عدوا الأربعين جمع قلة ، وهنا جزموا بأن الثلاثين يوماً الرمضانية ، أو التسعة والعشرين يوماً جمع كثرة ، وأن القرآن أخطأ مرة أخرى حين عبَّر عنها بجمع القلة"معدودات"أليست هذه نادرة من نوادر الدهر ؟ كيف تكون الأربعون أقل من الثلاثين أو التسعة والعشرين ؟ هل هذا يصدر عن عاقل على وجه الأرض ؟ وما عدوه خطأً في هذه الآية ، وهو قوله تعالى:"معدودات"فهو عين الصواب لغة وبياناً ، وقد أشرنا من قبل إلى أن معاملة غير العاقل معاملة العاقل أسلوب بلاغى رفيع المستوى ، وهو عند البلاغيين استعارة ، شبه فيها غير العاقل بالعاقل لداعٍ بلاغى ، يراعيه البليغ في كلامه.
وكلمة"معدودات"فى وصف أيام الصيام أتى بها القرآن لخصوصية بيانية ، هى تعظيم شأن تلك الأيام ، حتى لكأنها لرفعة منزلتها عند الله عز وجل صارت من ذوى العقول ، وهى أوقات لا روح فيها كالأحياء العاقلين.
فليس المدار فيها اعتبار قلة ، أو كثرة ، بل المراد التنويه بفضلها ، وعلو منزلتها عند الله تعالى.
أما القلة فتفهم من سياق الكلام ، الذى حدد أيام الصيام بالشهر الواحد:
(شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) (2) .
ولهذا التنزيل مواضع أخرى كثيرة في القرآن الكريم وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
(1) البقرة: 183-184.
(2) البقرة: 185.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (وإن إلياس لمن المرسلين * إذْ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين * فكذبوه فإنهم لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إلياسين ) (1) .
موضع الشاهد على الشبهة عندهم هو"إلياسين"ولكنهم ـ لسوء قصدهم ـ اتبعوا طريقة حذف مزرية في هذه الآيات ، وكان يكفيهم بدل هذه الحذوفات أن يقتصروا على"إلياسين"وحدها ، وقد يكون الداعى إلى ذكر ما ذكروا هو أن يقولوا إن القرآن تحدث عن"إلياس"والضمائر العائدة عليه حديث المفرد ، ثم عاد فجمع"إلياس"وهو علم مفرد ، جمع المذكر السالم المجرور بـ"الياء"، هكذا"إلياسين"، ثم علقوا على هذا الذى فهموه بقولهم:
" فلماذا قال"إلياسين"بالجمع عن"إلياس"المفرد ؟ فمن الخطأ لغوياً تغيير اسم العَلَم حباً في السجع المتكلف."
وجاء في سورة"التين" (والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الآمين ) (2) .
فلماذا قال سينين بالجمع عن سيناء ؟ فمن الخطأ لغوياً تغيير اسم العَلَمَ حباً في السجع المتكلف " هذا قولهم ، ذكرناه بالحرف الواحد. وكما يرى القارئ الكريم أن هذه الشبهة شبهتان: إحداهما فى"إلياسين"، والثانية في " سينين"وإن كان المقصود لهم من الشبهتين واحداً."
الرد على الشبهة: