يرى الكثير من المفكرين الغربيين أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو من تسبب في إحياء روح المقاومة والمواجهة في حياة العرب والمسلمين، وأن الدين الإسلامي هو المحرك الرئيس لجميع أفكار المقاومة الموجودة في أفكار وتصرفات الشعوب الإسلامية. والمقاومة هنا - ليست فقط فكرة مقاومة العدوان - وإنما كل أشكال الانتصار على النفس وعلى الآخر.
يرى المفكرون الغربيون أن رسالة محمد، وأفكار محمد، ودعوة محمد تقديم الرصيد الفكري والنفسي والعقدي لجهد المسلم في الانتصار على نفسه وعدم التسليم لشهوات الحياة ومتع الدنيا التي يتفنن الغرب في محاولة تقديمها للأمة. كما أن المقاومة تمتد لتمنع الكثير من محاولات الهيمنة الفكرية والثقافية على الحياة الإسلامية والعربية من قبل الغرب.
والعجيب أن هذه القوة في الإسلام قد فسرها بعض مفكري القرون الوسطى أنها تدل على زيف الإسلام. يقول لنا دانيال:"إن استعمال القوة، كان تقريبا معتبرا بالإجماع كخاصية كبيرة وأساسية للدين الإسلامي، وبالتالي فهو دلالة بديهية على ضلال الإسلام." [6]
ورغم كل ذلك تظهر المقاومة في شكل تضحيات إنسانية ضخمة لا يقدمها شعب آخر أو أمة أخرى في سبيل الحفاظ على أرضها ومقدساتها، والرغبة في الدفاع عن أراضيها، وهو ما يصادم الفكر الغربي الذي يعلي من شأن الحياة الدنيا. إن الأعمال الاستشهادية وكل صور المقاومة الأخرى - حتى وإن لم تكن موفقة أو شرعية - تشكل إشكالاً فكرياً عميقاً يصادم الفكر الغربي بقوة، ويقدح في مسلماته الأساسية، ويلقي مفكرو الغرب باللائمة على محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك.
إن الفكر الغربي المعاصر غير قادر على تقديم أي تفسير مادي أو عقلاني للمقاومة الفلسطينية أو للعمليات الاستشهادية أو المسلحة في العراق، أو إصرار الشعوب العربية التي تظهر أنها ضعيفة ومتخلفة على رفض النموذج الغربي للحياة بإصرار يتزايد مع الوقت دون تفسير مقنع إلا بإلقاء اللوم والحقد على محمد - صلوات الله وسلامه عليه. إن النجاحات المتتالية لمشروع المقاومة تستنفر في الغالب موجات جديدة من الهجوم على شخص النبي، وهو ما يفهم على المستوى الفكري - ولا يقبل بأي حال من الأحوال أو يبرر.
الخلاصة
إن عداء الغرب للنبي محمداً هو عداء مفهوم من المنطلقات الفكرية، وإن كان غير مقبول على الإطلاق تحت أي مبرر أو تفسير. كان هدف هذه الدراسة هو توضيح أهم المعالم الفكرية لمشكلة الغرب مع نبي الإسلام. فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه قد جسد صورة مخالفة تماماً للإنسان عن الصورة التي ارتبط بها المسيحيون عن المسيح كما يصورونه. أنه جسد إمكانية انتصار الإنسان دون الحاجة لمعجزات .. بينما الفكر المسيحي المعاصر في الغرب يرى أهمية المعجزة للهروب من مواجهة الكثير من مصاعب الحياة في الغرب.
إن محمداً قد أحيا فكرة القوة وعدم الخوف من المواجهة، وهي فكرة خطيرة في نظر أصحاب مشروعات الهيمنة والسيطرة على واقع الأمة الإسلامية وثرواتها ومستقبلها. أن محمداً قد حارب من أجل أن ينتصر الإنسان على ذاته .. لا أن يخضع لها، وهذا الأمر يحارب ويصادم تحويل كل شيء في الكون إلى سلعة، وتحويل كل فرد إلى مستهلك.
لقد قدم رسول الله نموذجاً متكاملاً لحياة موازية للغرب .. لا تلتقي معه اضطرارا .. ولا تتنازل له خوفاً. والأهم من كل ذلك أنه محبوب بشدة من المسلمين .. معروف لكل العالم .. نجح بكل المعايير الغربية .. ولكنه رفض كل مفاهيم الغرب .. هو نموذج يجب القضاء عليه .. ويبدو أن ذلك غير ممكن لأن إرادة الخالق أقوى من عبث المخلوقين.
[1] كاتبة بريطانية تدين الغرب وتتهمه بالتجني على الإسلام، القاهرة: جمال شاهين، الشرق الأوسط، الأربعاء 18 ذو الحجة 1426 هـ 18 يناير 2006 العدد 9913
[2] "أوروبا والإسلام"،"صدام الثقافة والحداثة"، هشام جعيط، دار الطليعة، 2001، ص40.
[4] "أوروبا والإسلام"،"صدام الثقافة والحداثة"، هشام جعيط، دار الطليعة، 2001، ص85.
د. محمد مورو
لوحظ في السنوات الأخيرة ارتفاع نبرة الإساءة إلى الإسلام والهجوم على رموزه في الأوساط الثقافية والفكرية بل والسياسية في الغرب. وفي الحقيقة فإن الكيد للإسلام والإساءة له ليس أمراً جديداً على الغرب ، الجديد فقط هو ارتفاع تلك النبرة والأمر لا يرتبط هنا بحالة رد الفعل المزعومة بسبب أحداث 11 سبتمبر ولكنه يضرب في جذور تلافيف العقل الغربي قبل سبتمبر 2001 وبعده ، فالجندي الإيطالي الذي كان يذهب إلى ليبيا لاحتلالها كان ينشد لأمه:
أماه..
أتمي صلاتك..
لا تبك، بل أضحكي وتأملي،
أنا ذاهب إلى طرابلس،