لذلك يعمد إلى تهذيب النفوس. يدخل في أعماقها، ويسكن في أطوائها، ويوجهها من باطنها. يوجهها إلى الجمال. إلى الإحسان. الإحسان في كل شيء. الإحسان في الأعمال والإحسان في الأفكار والإحسان في المشاعر.
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء"..
وحين تتجه النفس إلى الإحسان. حين تتهذب المشاعر وينظف السلوك. حين تخرج الضرورة عن قهرها القاهر فتصبح سلوكاً مهذباً"تختاره"النفوس، وتتفاضل في أدائه..
حينئذ يلتقي الإنسان مع الكون والحياة..
يلتقي معهما في نظرة واحدة شاملة رفيعة. اسمها الإحسان. أو اسمها الجمال.
والله جميل يحب الجمال.
ــــــــــــ
[60] "أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟".
[61] سورة الإسراء [ 33 ] .
[62] سورة الفرقان [ 63 - 68 ] .
[63] سورة المائدة [ 32 ] .
[64] رواه الشيخان.
[65] سورة النساء [ 84 ] .
[66] رواه البيهقي.
[67] سورة البقرة [ 223 ] .
[68] رواه مسلم.
[69] سورة الروم [ 21 ] .
[70] سورة الأعراف [ 31 ] .
عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس". قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال:"إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل عن حاجته. وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف. فهذا كله صدقة منك على نفسك". رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي مختصراً. وزاد في رواية:"وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم من طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة" [71] .
هذا الحديث العجيب لا يملك الإنسان أن يمر به دون أن يقف عنده لحظات يتدبر بعض معانيه.
وإن له لإيحاءات شتى، يدق بعضها ويلطف، حتى يصل إلى أعماق النفس، إلى قرار الوجدان، فيهزها هزاً، ويوقع على أوتار القلب لحناً صافياً مشرقاً جميلاً يأخذ بالألباب.
وسنختار هنا من المعاني الكثيرة التي يوحي بها الحديث معنيين رئيسيين: أولهما تفجير منابع الخير في النفس البشرية، وثانيهما: ربط المجتمع برباط الحب والمودة والإخاء. وقد نلم ببعض المعاني الأخرى في أثناء الحديث.
الصدقة في مفهومها التقليدي نقود وأشياء محسوسة يساعد بها الغني الفقير، ويمنحها القوي للضعيف. وهي بهذا المعنى ضيقة المفهوم جداً، وأثرها في حياة المجتمع محدود. ولو أنها ظلت قروناً طويلة مظهراً من مظاهر التكافل الاجتماعي، ورباطاً من روابط المجتمع، وأداة لتطهير الأغنياء من الشح، وإعانة الفقراء على الحياة..
وبصرف النظر عن هدف الإسلام الأصيل في أن يكتفي الناس بعملهم الخاص فلا يحتاجون للصدقات - ذلك الهدف الذي تحقق في عهد عمر بن عبد العزيز إذ يقول يحيى بن سعيد:"بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس.."
بصرف النظر عن هذا الهدف النهائي، فقد كانت الصدقات وسيلة احتياطية في المجتمع، طالما أن الفقر موجود، وإلى أن تتمكن الدولة - كما تمكنت في عهد عمر بن عبد العزيز - من إغناء الناس عن غير هذا الطريق.
ولكن الحديث النبوي يخرج بالصدقة من معناها التقليدي الضيق. من معناها الحسي، إلى معناها النفسي. وهنا تنفتح على عالم رحيب ليست له حدود.
كل خير صدقة.. وعلى كل امرئ صدقة..
هكذا في شمول واسع لا يترك شيئاً ولا يضيق عن شيء!
كل خير صدقة. أو ليس ذلك حقاً؟!
ومن أين تنبع الصدقة التقليدية بمعناها الحسي الضيق الحدود؟
أو ليست تنبع من معين الخير في النفس البشرية؟ بلى! إن هذا هو معينها الوحيد. وإلا فهي رياء كاذب، وهي دنس لا يصدر عن نفس نظيفة. وليس ذلك بطبيعة الحال هو المقصود.
فإذا كانت الصدقة تنبع من معين الخير، فإن حديث الرسول الكريم لا يزيد على أن يرجع مباشرة إلى هذا المعين، يستجيشه ويستدره، ليتفتح ويفيض، ويتدفق في كل اتجاه.
الخير هو معين الصدقة. فليكن كل خير صدقة! كل ما ينبجس من هذا المعين. كل ما يخرج من هذا النبع الطاهر النظيف، هادفاً إلى الخير محققاً له في واقع الحياة.
والصدقة ما هي؟ أليست"إعطاء"؟
بلى، إنها كذلك فليكن إذن كل إعطاء صدقة! حتى تبسمك في وجه أخيك.. صدقة!
إنه ذات المنبع ؛ وهي عملية نفسية واحدة في جميع الأحوال!