فهرس الكتاب

الصفحة 3051 من 3657

ومع ذلك فله آداب. آداب تهذب تناوله، وتكسر شراهته، وترتفع به عن محيط الحيوان إلى محيط الإنسان.

"عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه"رواه أو داود والترمذي.

"عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ، فقال:"يا هذا كف عنا من جشائك! فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة"! رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد."

فهو الإحسان إذن. وليس المنع والحجران.

ونحن - في القرن العشرين - أحوج ما نكون إلى هذه الحكمة من الرسول صلى الله عليه وسلم.

إننا نعيش في قرن يؤمن بالإحسان في العمل بمعنى الإخلاص والإتقان. وإن كنا نحن مع الأسف - في العالم الإسلامي الذي تلقى عن نبيه هذا التوجيه - ما نزال بعيدين عن هذه الروح.

ونحن نعيش كذلك في قرن يؤمن بالتهذيب في كثير من أمور الدنيا: في تناول الطعام، وقضاء الضرورة، والوقوف في الصف أثناء شراء تذاكر السينما، والاعتذار المؤدب عن أقهل هفوة، وإزجاء الشكر على أبسط الخدمات.

ولكنه مع ذلك لا يؤمن بالتهذيب في شئون الجنس. ويقول عنه إنه نفاق!

ولا نقصد بالتهذيب ما كان يصنع الرسول في فراشه. فذلك مرتقى رفيع لا يطيقه الكثيرون.

ولا نقصد كذلك ما أوصاهم به في فراشهم من تحويل الجنس إلى مشاعر ومودة وأخذ وعطاء.. فذلك شأنهم غن أرادوا أن يستفيدوا بنصيحة الرسول فلأنفسهم الفائدة، وهم الذين سيزدادون متعة وهم يوسعون مساحة الجنس في نفوسهم، فلا تقف عند متعة الجسد، بل تصبح علاقة جسد وعلاقة قلب وعلاقة روح كلها في آن.

وإنما نقصد مستوى أدنى من ذلك وألصق بحياة الجماعة كلها لا بحياة الأفراد.

تلك هي"الفضيلة"بمعناها الاجتماعي. أن يكون الجنس في حدوده المشروعة ولا يكون نهباً مباحاً للأجساد الظامئة على قارعة الطريق..

ذلك هو الذي يسمونه نفاقاً في القرن العشرين!

ولماذا هو نفاق؟ لأن الجنس"ضرورة"بيولوجية، فلا شأن له بالأخلاق!

وي!؟ والطعام ليس ضرورة؟ والملبس ليس ضرورة؟

فلماذا تحتفلون كل هذا الاحتفال"بآداب"المائدة و"أصول"الملبس ولا تكتفون فيهما بقضاء الضرورات؟

ونحن نتحدث هنا عن"الإحسان"ولا نتحدث عن الأخلاق!

نريد أن نرتفع عن مستوى الضرورة. نريد أن نتذوق الآفاق العليا التي يرفعنا إليها الإسلام.

نريد أن نتذوق طعم"الإنسانية"فإنه والله طعم جميل حين تتوجه له النفس، وحين يؤمن الإنسان أنه إنسان!

الجمال فطرة"الطبيعة". فطرة الحياة التي خلقها الله.

والحياة لا تكتفي بقضاء الضرورة، ولكنها تهدف دائماً إلى الإحسان في الأداء.

أرأيت هذه الزهرة الجميلة الفياحة الشذى المتناسقة الألوان؟

أتظن أن ذلك"ضرورة"؟

قالوا: لتجتذب إليها النحل فينتج منها العسل غذاء وشفاء للناس! وتساعد كذلك في تلقيح النبات!

فهل تظن ذلك؟ هل من"الضرورة"بالقياس إلى النحل أن يكون في الزهرة كل هذا الجمال؟

كلا والله! فالنحل خَلْق متواضع! وإنه ليحط على الزهرة الرائعة التناسق كما يحط على الزهرة العادية الجمال

فليس جمال الزهرة إذن ضرورة! وكل الأهداف"البيولوجية"يمكن أن تتم في أبسط زهرة كما تتم في أجمل الأزهار.

ورأيت هذه"الطبيعة"؟

رأيت حمرة الشفق المبدعة ورأيت جمال الصبح الوليد؟

رأيت روعة الجبال تبهر الأنفاس وتهز الوجدان؟

والبحر الممتد إلى غير نهاية منسرب الموج، تراه في الليل الساكن كأنما تعمره الأطياف.. أو الأشباح؟

والليلة القمراء.. هل"ذقتها"؟ و"ذقت"طعم السحر في ضوئها، وظلها، وأطيافها الساربة وحديثها المهموس؟

هل تظن ذلك ضرورة؟

وأين هي الضرورة في ذلك كله، والحياة ممكنة ومستطاعة بغير هذا الجمال؟

ورأيت هذا الوجه الرائع؟

هاتان العينان الحالمتان اللتان يطل منهما عالم عميق الأغوار.. تلك التقاطيع المنسقة.. هذا المعنى المعبر.. تلك"الروح"التي تطل من وراء القسمات؟

تظن ذلك ضرورة؟ وما الضرورة؟

أليست كل العمليات"البيولوجية"من طعام وشراب وتنفس تتم في أقبح وجه وأجمل وجه على السواء؟

بل.. نداء الجنس ذاته. ألا يتحقق في كل أنثى وكل ذكر بصرف النظر عن ذلك الجمال؟

كلا. إنه ليس"ضرورة".. وإنما هو"جمال".

هو"إحسان"في الأداء لا مجرد الأداء!

تلك فطرة الحياة كما خلقها الله.. فطرة"الطبيعة".

والإسلام دين الفطرة..

يلتقي مع ناموس الحياة الأكبر. لأنه منزل من عند الله خالق الحياة، وخالق الفطرة التي يسير عليها الكون والحياة.

لذلك لا يكتفي الإسلام من الإنسان بمجرد أداء الضرورة. لأنه حينئذ يكون متخلفاً عن الحياة، ناشزاً عن فطرتها، متأخراً إلى الوراء.

وهو الحياة في أعلى آفاقها - يريد أن يكون الإنسان واصلاً إلى الحياة، منسجماً معها، مساوقاً لها، ملتقياً معها في كل اتجاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت