إن أوربا لم تتقدم في ميدان العلم والعمل إلى حين أخذت بشق من نصيحة الرسول الكريم، فانتبذت التفكير في ذات الله، ووجهت طاقتها لتعمير الأرض في واقع الحياة.. وخطت خطوات جبارة في هذا السبيل.
ولكنها - مع الأسف - لم تأخذ نصيحة الرسول كاملة، ولم تهتد بهديه السليم. لم تأخذ منها عبادة الله، والتوجه إلى الله.
ومن ثم انطلقت - بقوتها المادية الهائلة النامية المتزايدة - انطلقت تعبد الشيطان.
(وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) !
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) !
وكانت النتيجة هي القوة المادية الهائلة التي تتمتع بها أوربا، والضلال المبين الذي تغرق فيه.
الرأسمالية هنا والشيوعية هناك..
كلاهما انحراف عن استقامة البشرية، وكلاهما قائم على أسس مادية خالصة لا تؤمن بالله الإيمان الحق. ولا تحكمه في أمر من أمور البشرية.
الحقيقة عندهم هي ما تستطيع الحواس أن تدركه. وكل ما لا تستطيع الحواس إدراكه فهو ساقط من الحساب.
وأمور العقيدة في عالم الغرب الرأسمالي أمور"تستعمل من الظاهر"وليس لها في واقع الحياة نصيب. لا في التوزيع الاقتصادي العادل الذي يرضي الله ورسوله، والذي لا يكون فيه المال"دولة بين الأغنياء منكم"ولا في الأخلاق التي ترفع الإنسان عن مقاذر الشهوة وحيوانية الغريزة.
وأمور العقيدة في الشرق الشيوعي مصادرة بأمر الدولة، حتى يكون الولاء كله"للدولة". وحين رفع الحظر هناك عن الدين والعقيدة - لأسباب سياسية، للدعاية في الشرق الإسلامي خاصة - فقد رفع بعد أن صار الإلحاد يدرس رسمياً في المدارس، وتدعو له الكتب والصحافة والسينما والإذاعة وكل وسائل الدعاية، وصار الشباب الذي تربى في ظل المذهب محصناً ضد"جرثومة"الدين!
والنتيجة الأخيرة هي هذا الصراع المدمر الرهيب بين الشرق والغرب، وبين كل قوى الأرض.
حربان في ربع قرن.. والثالثة على الأبواب!
ما أحوج الناس إلى حكمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن ابن عباس رضي الله عنهما"تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله".
[34] عن كتاب"مع الله في السماء"تأليف الدكتور أحمد زكي.
[35] عن كتاب"مع الله في السماء"تأليف الدكتور أحمد زكي.
[36] المرجع السابق.
[37] سورة آل عمران [ 190 - 191 ] .
[38] سورة غافر [ 81 ] .
[39] سورة الأنعام [ 95 - 99 ] .
[40] سورة البقرة [ 164 ] .
[41] سورة الأنعام [ 59 ] .
[42] سورة الروم [ 20 - 27 ] .
[43] سورة يس [ 33 - 44 ] .
[44] سورة طه [ 50 ] .
".. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" [45] .
الإحسان.. أن تحسن الشيء فتجعله حسناً.
والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه!
كان السؤال قبل ذلك عن الإسلام، ثم عن الإيمان. الإسلام درجة والإيمان بعد ذلك درجة، وهذه هي درجة الإحسان. لكي يكون إسلامك حسناً وإيمانك كذلك.
تعبد الله كأنك تراه..
تعبير عجيب يحمل في بساطته حقيقة هائلة.
وأروع ما يروعني - وقد يكون هذا تأثراً - أنه يفاجئك وأنت تقلب وجهك في الآفاق، باحثاً عن الإجابة، يفاجئك بالقبلة التي ينبغي أن تتجه إليها! فإذا أنت - على غير توقّع منك - ترى النور..
النور الذي يبهر العين والقلب ويبهر الروح.
ترى الله...
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .
القاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام بناءه كله: هي أن تعبد الله كأنك تراه.
يقيم عليها نظمه جميعاً، وتشريعاته وتوجيهاته جميعاً..
نظام السياسة. نظام الاقتصاد. نظام المجتمع. موقف الفرد من الدولة وموقف الدولة من الفرد. نظام الأسرة. معاملات الأفراد، معاملات الدول في السلم وفي الحرب.. كل شيء في هذه الحياة!
ولقد يخطر للإنسان - أول ما يخطر - أن هذه عبادة! أليست هي: أن"تعبد الله"؟!
بل قد يخطر للإنسان أنها العبادة القصوى، التي ينقطع فيها الإنسان عن كل شيء في الحياة، ليخلو إلى ربه، يخلو له بوجدانه وحسه وقلبه.. هنالك في عزلة عن الآخرين!
وإنها لعبادة حقاً، ما في ذلك شك، وإنها لأقصى العبادة كذلك.
ولكنها - وهي أقصى عبادة العبد للرب - لتعود من عزلتها وخلوتها، فتتسع وتتسع حتى تشمل كل محيط الإنسانية!
بل إنها - منذ لحظتها الأولى، وفي خلوتها - لهي النور الساطع الذي يضيء جنبات الحياة، في ذات اللحظة التي يضيء فيها جنبات النفوس.