فالآية نصيحة لهم وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم ، وما تحفظ به الحقوق شىء وما يحكم به الحاكم شىء ، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين.
ولقد قال الإمام أحمد بن حنبل [164ـ241هـ/780ـ855م] إن شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين فيما هو أكثر خبرة فيه ، وأن شهادة المرأة تعدل شهادة رجلين فيما هى أكثر خبرة فيه من الرجل..
فالباب مفتوح أمام الخبرة التى هى معيار درجة الشهادة ، فإذا تخلفت خبرة الرجل في الميدان تراجع مستوى شهادته فيه.. وإذا تقدمت وزادت خبرة المرأة في الميدان ارتفع مستوى شهادتها فيه.. وليس هناك في الفقه الإسلامى تعميم وإطلاق في هذا الموضوع ، إذ الشهادة سبيل للبينة التى يحكم الحاكم ـ القاضى ـ بناء عليها ، بصرف النظر عن جنس الشهود وعددهم.
ولو فقه الداعون إلى تاريخية وتاريخانية آيات الأحكام في القرآن حقيقة هذه الأحكام التى توهموا الحاجة إلى تجاوزها ـ فقالوا بتاريخية ووقتية معانى نصوصها القرآنية ـ لأدركوا أن وقوف النص القرآنى عند كليات وفلسفات وقواعد ونظريات التشريع ، مع ترك تفصيلات التشريع لاجتهادات الفقهاء ، هو الذى جعل أحكام القرآن الكريم في المعاملات ـ فضلاً عن العبادات.. والقيم والأخلاق ـ صالحة لكل زمان ومكان ، فكانت شريعته آخر وخاتم الشرائع السماوية ، دونما حاجة إلى هذه"التاريخية"التى استعاروها من الفكر الغربى ، دونما إدراك لخصوصية النص الإسلامى ، وتميز مسيرة الفقه الإسلامى والحضارة الإسلامية.. ولو أنهم فقهوا حقيقة الأمثلة التى توهموها دواعى لهذه التاريخية ـ من مثل ميراث المرأة..
وشهادتها ـ لكفونا مئونة هذا الجهد في كشف هذه الشبهات!..
(1) النساء: 11.
(2) النساء: 7.
(3) لمزيد من التفاصيل ، أنظر: د. محمد عمارة [ هل الإسلام هو الحل ؟ ] طبعة دار الشروق. القاهرة 1998م. ود. صلاح سلطان [ميراث المرأة وقضية المساواة] طبعة دار نهضة مصر.القاهرة 1999م.
(4) البقرة: 282ـ283.
(5) ص 103ـ104. تحقيق: د. جميل غازى ، طبعة القاهرة 1977م.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
اتخذ المعترضون من وقائع جمع القرآن وليجة يتسللون من خلالها للنيل من القرآن ، وإيقاع التشكيك في كونه وحيًا من عند الله عز وجل .
والواقع أن الذى ألجأهم إلى التسلل من هذه"الوليجة"وهى وقائع جمع القرآن أمران رئيسيان:
الأول: محاولتهم نزع الثقة عن القرآن وخلخلة الإيمان به حتى لا يظل هو النص الإلهى الوحيد المصون من كل تغيير أو تبديل ، أو زيادة أو نقص .
الثانى: تبرير ما لدى أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من نقد وجه إلى الكتاب المقدس بكلا عهديه:
القديم (التوراة) والجديد (الأناجيل) ليقطعوا الطريق على ناقدى الكتاب المقدس من المسلمين ، ومن غير المسلمين .
ومواطن الشبهة عندهم في وقائع جمع القرآن والمراحل التى مرَّ بها ، هى:
أن القرآن لم يُدوَّن ولم يكتب في مصحف أو مصاحف كما هو الشأن الآن ، إلا بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم أما في حياته ، فلم يكن مجموعاً في مصحف . وأن جمعه مرًّ بعدة مراحل:
الأولى: في خلافة أبى بكر - رضى الله عنه - وهو جمع ابتدائى غير موثق تمام التوثيق كما يزعمون ؟ .
الثانية: في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وقد كان الجمع في هذه المرحلة قابلاً لإدخال كثير من الإضافات التى افتقر إليها تدوين القرآن فيما بعد . لأن القرآن لم يكن فيهما مضبوطًا مشكولاً .
الثالثة: الإضافات التى أُلْحِقَتْ بالنص القرآنى وأبرزها:
* نَقْط حروفه لتمييز بعضها من بعض ، مثل تمييز الخاء من الجيم والحاء ، وتمييز الجيم من الخاء والحاء ، وتمييز التاء بوضع نقطتين فوقها عن كل من الياء والباء والنون والثاء .
1-ضبط كلماته بالضم والفتح والكسر والجزم ، مثل:"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين"وهذا أمر طارئ على جمع القرآن في مرحلتيه السابقتين .
2-علامات الوقف:مثل:ج صلى لا قلى م 00 00 3- وضع الدوائر المرقوم فيها أرقام الآيات في كل سورة .
إن كل هذه الإضافات لم تكن موجودة في العصر النبوى ، بل ولا في عهد الخلفاء الراشدين .
يذكرون هذا كله ليصوروا أن الشبهة التى لوحظت في جمع المصحف الحاوى للقرآن الكريم ، تزرع الشكوك والريوب (جمع ريب) فى وحدة القرآن واستقراره وسلامته من التحريف . فعلام إذن يصر المسلمون على اتهام التوراة التى بيد اليهود الآن أنها لا تمثل حقيقة التوراة التى أنزلها الله على موسى عليه السلام ؟ أو لماذا يطلقون هذا الوصف على مجموعة"الأناجيل": التى بيد النصارى الآن ؟ الرد على هذه الشبهة: