إنًّ تأخير تدوين القرآن عن حياة النبى صلى الله عليه وسلم وجمعه في مصحف في خلافة أبى بكر رضى الله عنه ، لامساس له مطلقًا بوحدة القرآن وصلة كل كلمة بالوحى الإلهى ؛ لأن القرآن قبل جمعه في مصاحف كان محفوظًا كما أنزله الله على خاتم المرسلين .
والعرب قبل الإسلام ، وفى صدر الإسلام المبكر كانوا ذوى ملكات في الحفظ لم يماثلهم فيها شعب أو أمة ، من قبلهم أو معاصرة لهم ، ومن يعرف الكتابة والقراءة فيهم قليلون فكانوا يحفظون عن ظهر قلب ما يريدون حفظه من منثور الكلام ومنظومه .
وروعة نظم القرآن ، ونقاء ألفاظه ، وحلاوة جرسه ، وشرف معانيه ، هذه الخصائص والسمات فاجأت العرب بما لم يكونوا يعرفون ، فوقع من أنفسهم موقع السحر في شدة تأثيره على العقول والمشاعر ، فاشتد اهتمامهم به ، وبخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به ، وكانوا يترقبون كل جديد ينزل به الوحى الأمين ، يجمعون بين حفظه والعمل به .
وكان النبى صلى الله عليه وسلم كلما نزل عليه شئ من الوحى يأمر كُتًّاب الوحى بكتابته فورًا ، سماعًا من فمه الطاهر ثم ينشر ما نزل من الوحى بين الناس .
وقد ساعد على سهولة حفظه أمران:
الأول: نزوله (مُنَجَّمًا) أى مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة ؛ لأنه لم ينزل دفعة واحدة كما كان الشأن في الوحى إلى الرسل السابقين .
والسبب في نزول القرآن مُفَرَّقًا هو ارتباطه بتربية الأمة ، والترقى بها في مجال التربية طورًا بعد طور ومعالجة ما كان يجد من مشكلات الحياة ، ومواكبة حركة بناء الدعوة من أول شعاع فيها إلى نهاية المطاف .
الثانى: خصائص النظم القرآنى في صفاء مفرداته ، وإحكام تراكيبه ، والإيقاع الصوتى لأدائه متلوًّا باللسان ، مسموعًا بالآذان ، وما يصاحب ذلك من إمتاع وإقناع ، كل ذلك أضفى على آيات القرآن خاصية الجذب إليه ، والميل الشديد إلى الإقبال عليه ، بحيث يجذب قارئه وسامعه واقعًا في أسره غير ملولٍ من طول الصحبة معه .
وتؤدى فواصل الآيات في القرآن دورًا مُهِمًّا في الإحساس بهذه الخصائص . ولنذكر لهذا"مثلاً"من سور القرآن الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم (والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحًا * فأثرن به نقعًا * فوسطن به جمعًا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بُعثر ما في القبور * وحُصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير) (1) .
عدد آيات هذه السورة [ العاديات ] إحدى عشرة آية ، وقد وزعت من حيث الفواصل ، وهى الكلمات الواقعة في نهايات الآيات ، على أربعة محاور ، هى: الثلاث الآيات الأولى ، وكل فاصلة فيها تنتهى بحرف الحاء: ضبحا قدحا صبحا .
والآيتان الرابعة والخامسة ، كل فاصلة فيهما انتهت بحرف العين: نقعا جَمْعا .
والآيات السادسة والسابعة والثامنة ، انتهت فواصلها بحرف الدال: لكنود لشهيد لشديد .
أما الآيات التاسعة ، والعاشرة ، والحادية عشرة ، فقد انتهت فواصلها بحرف الراء: القبور الصدور لخبير .
مع ملاحظة أن حروف الفواصل في هذه السورة ماعدا الآيات الثلاث الأولى مسبوقة بحرف"مد"هو"الواو"فى:"لكنود"و"الياء"فى:"لشهيد لشديد".
ثم"الواو"فى: " القبور الصدور ثم"الياء"فى: " لخبير"وحروف المد تساعد على"تطرية"الصوت وحلاوته في السمع . لذلك صاحبت حروف المد كلمات"الفواصل"فى القرآن كله تقريبًا ، وأضفت عليها طابعًا غنائيًا من طراز فريد (2) جذب الإسماع ، وحرك المشاعر للإقبال على القرآن بشدة أسره إياهم عن طريق السماع ، ليكون ذلك وسيلة للإقبال على فقه معانيه ، ثم الإيمان به ."
ومن سمات سهولة الحفظ في هذه السورة أمران:
أنها سورة قصيرة ، حيث لم تتجاوز آياتها إحدى عشرة آية .
قصر آياتها ، فمنها ما تألف من كلمتين ، وهى الآيات الثلاث الأولى . ومنها ما تألف من ثلاث كلمات ، وهى الآيتان الرابعة والخامسة . ومنها ما تألف من أربع كلمات ، وهى الآيات: السادسة والسابعة والثامنة . وآيتان فحسب كلماتها خمس ، وهما العاشرة والحادية عشرة . وآية واحدة كلماتها سبع ، هى الآية التاسعة .
ونظام"عقد المعانى"فى السورة رائع كروعة نظمها . فالآيات الثلاث الأولى قَسَمٌ جليل بِخَيْلِ المجاهدين في سبيل الله .
والآيتان الرابعة والخامسة استطراد مكمل لمعانى المقسم به ، شدة إغارتها التى تثير غبار الأرض ، وسرعة عَدْوِِهٍَا ومفاجأتها العدوّ في الإغارة عليه .
ثم يأتى المقسم عليه في الآية السادسة:"إن الإنسان لربه لكنود": عاص لله ، كفور بإنعامه عليه وفى الآية السابعة إلماح إلى علم الإنسان بأنه عاق لربه ، شهيد على كفرانه نعمته .
وفى الآية الثامنة تقبيح لمعصية الإنسان لربه ، وإيثار حطام الدنيا على شكر المنعم .
أما الآيات الثلاث الأخيرة من (9) إلى (11) فهى إنذار للإنسان الكفور بنعم ربه إليه .