لا تلومونا على حب النبي.. كان معاشه لا يرتقي حتى ضعاف رعيته، وصفت زوجته عائشة حاله وهو يملك الحضر والمضر:"ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم" (أخرجه الترمذي) ."إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نار".
لا تلومونا على حب النبي.. كان ينام على الحصير حتى ترك له بصمات على جنبيه. فعن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: ما لي وللدنيا؟! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها (أورده الألباني في السلسلة الصحيحة) .
لا تلومونا على حب النبي.. بعدما أخرجه قومه ودفعوا به إلى الصحراء وحرموه البلد والأهل والأحبة وذكريات صبي يتيم، ونظر إلى رمالها وشعابها وبنيانها وهو يودعها وداع مظلوم ومبتلى، نظرة حزن وحيرة، نظرة المواطن الذي حرم وطنه ظلما وعدوانا: إنك أحب أرض الله إليّ! ولولا قومك أخرجوني لما خرجت. وبعد سنين من الإبعاد والنفي واللجوء والمكائد والحروب عاد مظفرا ليقل لهم: ماذا تروني أني فاعل بكم.. لا تثريب عليكم اليوم.. اذهبوا فأنتم الطلقاء!.
لا تلومونا على حب النبي.. كان نبيا في وحيه، رسولا في تبليغ رسالته، وإنسانا في بيته ومع زوجه وأحفاده. كان يجعل ظهره مطية للحسن والحسين، حتى في أثناء الصلاة، فأطال على الناس ذات مرة السجود، فظنوا به الظنون. فلما فرغ سألوه عن سبب إطالته، فقال إن ابني ارتحلني (ركبني) فكرهت أن أعجله. ويسابق زوجه، فتسبقه مرة ويسبقها مرة؛ فيقول لها مداعبا: هذه بتلك.
لا تلومونا على حب النبي.. كان ملازما أمته وهمومها، يعيش فرحها ويعيش أزماتها. لما كان الناس يحفرون الخندق حول المدينة اتقاء من هجوم قريش وحلفائها، كان الرسول معهم بفأسه. وكان الناس في ضنك شديد، فالتقى عليهم الجوع والعطش والتعب والنصب لقلة ذات اليد ولدقة الموقف، فكان الناس يضعون حجرا على بطونهم حتى تلتصق بأجسادهم فلا توجعهم ولا تمزق أحشاءهم، واشتكى القوم من هول الموقف ومن الجوع المضني ورفعوا عن بطونهم ليُرُوا رسولهم الأحجار التي وضعوها.
ورفع النبي عن بطنه الشريفة فكان حجران! لا لوم، لا اعتذار، وإنما قدوة ونموذج، وصبر وتواضع وصحبة. وتوقف الزمن، وجثا التاريخ على ركبتيه يبحث عن رفيق!.
لا تلومونا على حب النبي... كان قوّاما صوّاما، يقوم ليله عابدا مسبحا متضرعا باكيا حتى تتفطر قدماه الشريفتان وتبتل لحيته، فتتعجب زوجه وتقول له وكلها شفقة عليه:"أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟".. وكأن لسان حالها يقول: فلماذا هذا الإبحار في القيام والذكر والتذلل؟ فيجيبها بكل براءة المحب العاشق لربه والصادق مع نفسه:"يا عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا؟".
هذه ومضات من حياة النبي، وأنا مقصر لا محالة. والقلم عاجز عن التعبير بما يعجّ في أعماقنا وذواتنا من حب واحترام واتباع لمحمد. ويبقى حب أمة لنبيها ملاذا حين العواصف، ودافعا حين الشدائد، ومغيثا حين الهزائم، وأملا حين اليأس والإحباط، وتواضعا حين الانتصار. ويبقى محمد.. فلا تلومونا على حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
محمد جلال القصاص
يوم الحديبية جلس سهيل بن عمرو وهو يفاوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمقُ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعينيه وعاد يحدث قومه: (أي قوم والله، لقد وفدت على الملوك... على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدَلَّك بها وجهه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له)
ولم يكن هذا حال الصحابة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل حين، ما كانوا يقتتلون على وضوءه ـ صلى الله عليه وسلم - ولا يترقبون نخامته - صلى الله عليه وسلم - كي يدلكوا بها وجوههم، بل في ذات اليوم حين وَقَّعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلح تباطئوا في التنفيذ.
ولكن كان إظهار المحبة أمام العدو مقصودا ليعلم كم هي الصفوف ملتفة خلف نبيها وكم هي لا تفرط في أي شيء يتعلق بنبيها حتى نخامته وماء وضوئه - صلى الله عليه وسلم -.