ومن المعروف أن الجيوب الاستيطانية التي لا تبيد السكان الأصليين مآلها إلى الزوال، لأن السكان الأصليين يستمرون في مقاومتهم حتى ينهكوا عدوهم تماماً. وهذا ما حدث بالنسبة لممالك الفرنجة فقد تم القضاء عليها، لأسباب عديدة، من أهمها أن الشعوب الإسلامية لم ترض بوجود الفرنجة، فاستمرت عملية المقاومة زهاء قرنين حتى انتهى المشروع الفرنجي ولم يبق منه سوى بعض الخرائب الصليبية. وبالنسبة للصهيونية، فمازال العرب يقاومون والحمد لله، وأعتقد أن مدريد وأوسلو وقبول الكيان الصهيوني للسلطة الفلسطينية هو تعبير عن الإرهاق الصهيوني. فقبول"إسرائيل"بالسلطة الفلسطينية هو بدايات الهزيمة، وكما يقول بعض المتطرفين الصهاينة إنه لأول مرة تم تعريف حدود الدولة الصهيونية، وفي هذا اعتراف ضمني بالوجود الفلسطيني. ولأول مرة توجد داخل الدولة الصهيونية كتلة بشرية ضخمة تطالب بحق تقرير المصير، كما توجد مناطق فلسطينية محررة، بل إن مجرد دخول مصطلح"فلسطيني"في المعجم الصهيوني هو انتصار ضخم، لأنه يهز الخريطة الإدراكية الصهيونية. والله أعلم.
شريف رمضان السكندري
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً.
أما بعد....
أحبائي الكرام/
في هذا المقال نتحدث عن أشد مصيبة ابتليت بها هذه الأمة... لنأخذ منها الفوائد والدروس والعبر،
ونسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
(المصيبة العظمى)
فو الله إني لمتحير كيف أدخل إلى هذا الموضوع، ومن أنا أمام هذا الموضوع المدهش المحير المبكي؟! إنه موضوع وفاته عليه الصلاة والسلام، إنه موضوع انتقاله إلى الرفيق الأعلى عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن لا جدوى إلا بحديث يذكرنا بذاك الحدث الجلل، وكل حدث بعد وفاته هين سهل بسيط يسير.
وقد اخترت هذا الموضوع تحديدًا لشدته على المسلم الحق، ومن ثم يهون كل شيء وتسهل كل مصيبة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.
ورحم الله امرأة قالوا لها بأن زوجها وابنها وأخوها قد قتلوا فلم تأبه لذلك وبادرت قائلة: ماذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: هو بخير. فقالت: لا حتى أراه. فلما رأته قالت: كل المصائب بعدك جلل يا رسول الله. (جلل: تعني هينة أو يسيرة)
ولكن الموت نهاية كل حي، فقد انفرد سبحانه وتعالى بالبقاء وكتب على جميع المخلوقات الفناء فقال الله عز وجل: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن:26] وقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) . [آل عمران:185]
ولم يستثن أحدًا حتى أكرم الخلق -صلى الله عليه وسلم- فقد قال الله عز وجل: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر:30] ويقول جل ذكره: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] .
فليبن أهل البغي والعدوان بروجاً من التحسين إن شاءوا، فو الله ليموتن ولو كانوا في بروج مشيدة، والموت وما أدراك ما الموت؟!
إنه مصيبة كما سماه ربنا تبارك وتعالى: (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) [المائدة:106] .
ولكن ليست كل المصائب كفقده صلى الله عليه وسلم.
(طلائع التوديع)
ولما تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره صلى الله عليه وسلم، وتتضح بعباراته وأفعاله .
إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع: ( إني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً ) ، وقال وهو عند جمرة العقبة: ( خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا ) ، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع وأنه نعيت إليه نفسه .
وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فصلي على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: ( إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ) .