فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 3657

هذا الشوط من السورة ما يزال يجري مع الخط الأول الأساسي العريض فيها . . خط المعركة بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة . . معركة العقيدة ، وما يبذل أعداء هذا الدين من جهد ومن حيلة ومن مكيدة ومن خداع ، ومن كذب ، ومن تدبير ، للبس الحق بالباطل ، وبث الريب والشكوك ، وتبييت الشر والضر لهذه الأمة بلا وناة ولا انقطاع . . ثم مواجهة القرآن لهذا كله ، بتبصير المؤمنين بحقيقة ما هم عليه من الحق؛ وحقيقة ما عليه أعداؤهم من الباطل؛ وحقيقة ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء . . وأخيرًا بتشريح هؤلاء الأعداء . . طباعهم وأخلاقهم وأعمالهم ونياتهم . . على مشهد من الجماعة المسلمة . لتعريفها حقيقة أعدائها ، وفضح ما يضفونه على أنفسهم من مظاهر العلم والمعرفة ، وتبديد ثقة المخدوعين من المسلمين فيهم ، وتنفيرهم من حالهم وإسقاط دسائسهم بتركها مكشوفة عوراء ، لا تخدع أحدًا ولا تنطلي على أحد!

ويبدأ هذا الشوط بمواجهة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - بسخف موقفهم وهم يحاجون في إبراهيم - عليه السلام - فيزعم اليهود أنه كان يهوديًا ، ويزعم النصارى أنه كان نصرانيًا . على حين أن إبراهيم سابق لليهودية والنصرانية ، سابق للتوراة والإنجيل . والحجاج فيه على هذا النحو مراء لا يستند إلى دليل . . ويقرر حقيقة ما كان عليه إبراهيم . . لقد كان على الإسلام . . دين الله القويم . وأولياؤه هم الذين يسيرون على نهجه . والله ولي المؤمنين أجمعين . . ومن ثم تسقط ادعاءات هؤلاء وهؤلاء؛ ويتبين خط الإسلام الواصل بين رسل الله والمؤمنين بهم على توالي القرون: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ، وهذا النبي ، والذين آمنوا . والله ولي المؤمنين } . .

يلي ذلك في السياق كشف الهدف الأصيل الكامن وراء مماراة أهل الكتاب في إبراهيم وغير إبراهيم - مما سبق في السورة ومما سيجيء - فهو الرغبة الملحة في إضلال المسلمين عن دينهم - وتشكيكهم في عقيدتهم . . ومن ثم يتجه بالتقريع إلى المضللين: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟ } . .

ثم يطلع الجماعة المسلمة على لون من تبييت أعدائهم وتدبيرهم ، لزعزعة ثقتهم في عقيدتهم ودينهم بطريقة خبيثة ماكرة لئيمة . ذلك أن يعلنوا إيمانهم بالإسلام أول النهار ، ثم يكفروا بالإسلام آخره . . كي يلقوا في روع غير المتثبتين في الصف المسلم - ومثلهم موجود دائمًا في كل صف - أنه لأمر ارتد أهل الكتاب ، الخبيرون بالكتب والرسل والديانات: { وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون } . . وهو كيد خبيث لئيم!

قال تعالى: { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) [البقرة/89، 90] }

وهو تصرف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته . . ومن ثم يصب عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر: { فلعنة الله على الكافرين } . .

ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه؛ بعد أن يقرر خسارة الصفقة التي اختاروها: { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ، بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . فباؤوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين } . .

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا . . . لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما ، يكثر أو يقل . أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع . وإن بدا تمثيلًا وتصويرًا . لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم من العذاب المهين . وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر ، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه!

وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم ، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . وكان هذا بغيًا منهم وظلمًا فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب؛ وهناك ينتظرهم عذاب مهين ، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم .

وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود ، طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب شديد؛ وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها؛ ولا تشعر بالوشيجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت