فهرس الكتاب

الصفحة 3607 من 3657

ومُحاولةٌ منه فاشلةٌ: أَنْ يُظْهِرَ لأعداء الله مَخْرجًا مما وضعوا أنفسَهم فيه، وأَنْ يُظْهِرَ نفسَهُ لهم أَنَّهُ الدَّالُّ إليه والدَّليل عليه !

الخامسة: أَنَّ الأمَّة مجتمعةً فيها قُوّةٌ وخيرٌ، وأنَّها إذا اجتمعتْ على الحقِّ عجز فيها عدوُّها أَنْ ينال منها أو يخيفَها، فإظهار هؤلاء الكفار في صحفهم الأوروبية الطعنَ والاستهزاءَ بالنبي صلى الله عليه وسلم عَلَنًا، جَعَلَ المسلمين مُتّحدين في عدائهم، مُستشعرين خطرَهم وكيدَهم، وجعل أعداءَهم مُتذبذبين خائفين مِنْ عواقب ذلك وتبعاتِه عليهم. فكُلُّ ما كان عداء أعداء الله للمسلمين ظاهرا: كان تعاونهم على مدافعتِه عظيما.

وكُلُّ ما كان عداؤهم للمسلمين مُستترا تحت أغطيةٍ يصنعونها تلبيسا، أو يصنعُها لهم المنافقون من علمانيين وليبراليين وغيرهم: كان ذلك مُشَتِّتًا لكلمة المسلمين مُفرِّقًا لاتّحادِهم وتعاونهم لمدافعة عدوِّهم، حَتَّى يُؤْخَذُوا دَوْلَةً دَوْلَةً !

السَّادسة: أَنَّ إطلاق الغَرْبِ مُسمَّى «الإرهاب» لا يُريدون به المعنى الذي نريده نحن عند إطلاقنا له في المملكة، وإنَّما يُريدون به الإسلامَ ونبيَّه صلى الله عليه وسلم، يَظْهَرُ ذلك من رسومِهم للنبي صلى الله عليه وسلم، حين صوَّروه بِصُوَرٍ تَدُلُّ على مُرادِهم !

لذا فالواجب في هذا أَحَدُ أَمْرَيْنِ:

1 -إِمَّا الاقتصارُ على الألفاظ الشرعية، الدّالة على المعنى المُراد، كالحرابة، والمحادّة، ونحوهما، وتَرْكُ لفظ «الإرهاب» . لمعرفة مدلول تلك الألفاظ، وجهالة مدلول الأخير، وتنازع النّاس فيه دولاً وأفرادًا.

2 -وإِمَّا حَدُّهُ عالميًا بِحَدٍّ مُنْضَبِطٍ، وتعريفه بتعريف بَيِّنٍ، ثم إطلاقُه عليه، إِنْ كان ذلك الحدُّ مُسلَّمًا صحيحا.

السَّابعة: أَنَّ أعداء الله المحادّين له لم يجدوا عُذْرًا يعتذرون به على قبيح فَعْلَتِهم وعظيم جُرْمِهم، إلا سماح قوانينهم بحرّيّة التعبير وحرّيّة الصحافة ! ومع أَنَّ هذه حُجّةٌ مدحوضةٌ، فليس كُلُّ مَنْ أراد شيئا في الغَرْبِ قاله ! كما أنهم لا يسمحون لغيرهم بقول ما يريد إذا كان مخالفا لهم.

فَمَعَ هَذَا كُلِّهِ: فيجب على المسلمين أَنْ يتنبَّهوا إلى ما يُرَادُ بهم مِنْ سَعْيٍ إلى فتح حُرّيّة التعبير المُطلقة عندهم وفي وسائل إعلامِهم، التي يُراد منها تمرير الكفر والمحادّة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والإذن به، ولا يظنون أنهم بها يستطيعون قول ما يريدون مما يخافون قولَهُ ويخشون عاقبتَه. وإنَّما يُسلِّطون أعداءَهم عليهم، وهم لا يستفيدون مِنْ ذلك شيئا !

وَفَّقَ اللهُ المسلمين لما يُحِبُّهُ ويرضاه، ونَصَرَ دينَهُ، وأعلا كلمتَهُ، وأعزَّ جُنْدَهُ، وأهلكَ أعداءَه، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكنَّ المنافقين لا يعلمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

كتبه

عبد العزيز بن فيصل الرّاجحي

الرياض

الجمعة 4 /1/1427هـ

الحمد لله مجيب من سأله، ومثيب من علّق به رجاه وأمله، الكريم الذي من أقبل عليه قبله، ومن أعرض عنه أرداه وخذله.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، خلقنا من عدم، وأسبغ علينا وافر النعم، كبّرنا من صغر، وكسانا بعد عُري، وعلمنا بعد جهالة، وآتانا من كل ما سألناه، اختص برحمته من شاء من عباده، وفضّل بعضهم على بعض بحكمته وعدله، فجعلهم فريقاً إلى الجنة وفريقاً إلى السعير، وهو الرؤوف الرحيم.

وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، صفيه وخليله، وسفيره بينه وبين خلقه، أرسله ربُّه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصّر به من العمى، وأرشد به من الغواية، فتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً، حيث بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمّة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربِّه، فجزاه الله عن أمَّته أفضل الجزاء، وصلى عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء، وسلّم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.

أمّا بعد..

فقد خلق الله تعالى الخلق لغاية عظيمة؛ هي إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [سورة الذاريات، الآيات 56-58] .

وبعث الله تعالى الرسل عليهم الصلاة والسلام مبشرين ومنذرين، داعين الخلق إلى إفراد الخالق سبحانه وتعالى بالعبادة، فكانت دعواتهم صادقة، ورسالاتهم واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت