لأن أية مقارنة منصفة بين ما كان عليه، صلى الله عليه وسلم، وبين غيره من أنبياء الله ورسله ترتفع به ليس فقط إلى مقام العصمة؛ بل إلى مقام الكمال الذي أتم به الله الرسالات، وأتم به التنزيل، وأتم به النعمة، فلم تعد البشرية بعد رسالته، صلى الله عليه وسلم، بحاجة إلى رسل ورسالات.
لذلك فإن رسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي الخاتمة والكاملة حملت كل احتياجات البشرية وما يلزمها من تشريعات ونُظم ومعاملات، وما ينبغي أن تكون عليه من أخلاق وحضارة مما افتقدت مثل كماله كل الرسالات السابقة.
وحسبُ رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، أنها جاءت رحمة عامة للبشرية كلها، كما قال القرآن: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1) .
فلم تكن كما جاء ما قبلها رسالة خاصة بقوم رسولهم، كما قال تعالى:
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) (2) .
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) (3) .
(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) (4) .
وهكذا كل رسول كان مرسلاً إلى قومه..
وكانت رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى العالمين وإلى الناس كافة، كما جاء في قوله تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (5) .
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيرًا) (6) .
ورسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت فوق كونها عالمية، فقد كانت هي الخاتمة والكاملة التي ـ كما أشرنا ـ تفي باحتياجات البشر جميعاً، وتقوم بتقنين وتنظيم شئونهم المادية والمعنوية عبر الزمان والمكان بكل ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة.
وفي هذا قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (7) .
وقال في وصفه لإكمال الدين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم (الإسلام) : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (8) .
إن عموم رسالة محمد إلى العالمين، وباعتبارها الرسالة الكاملة والخاتمة؛ يعني امتداد دورها واستمرار وجودها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ مصداقاً لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (9) .
(1) الأنبياء: 107.
(2) الأعراف: 65.
(3) الأعراف: 72.
(4) الأعراف: 85.
(5) الأنبياء: 107.
(6) سبأ: 28.
(7) الأحزاب: 40.
(8) المائدة: 3.
(9) التوبة: 33 ، الفتح: 28 ، والصف: 9.
أ.د محمود حمدي زقزوق
الرد على الشبهة:
والأمّي إما أن يكون المراد به من لا يعرف القراءة والكتابة أخذًا من"الأمية"، وإما أن يكون المراد به من ليس من اليهود أخذًا من"الأممية"؛ حسب المصطلح اليهودي الذي يطلقونه على من ليس من جنسهم.
فإذا تعاملنا مع هذه المقولة علمنا أن المراد بها من لا يعرف القراءة والكتابة فليس هذا مما يعاب به الرسول، بل لعله أن يكون تأكيدًا ودليلاً قويًا على أن ما نزل عليه من القرآن إنما هو وحي أُوحي إليه من الله لم يقرأه في كتاب ولم ينقله عن أحد ولا تعلمه من غيره. بهذا يكون الاتهام شهادة له لا عليه.
وقد ردّ القرآن على هذه المقولة ردًا صريحًا في قوله:
(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (1) .
وحسبُ النبي الأمي ـ الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ـ أن يكون الكتاب الذي أُنزل عليه معجزًا لمشركي العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة؛ بل ومتحديًا أن يأتوا بمثله أو حتى بسورة من مثله.
كفاه بهذا دليلاً على صدق رسالته وأن ما جاء به ـ كما قال بعض كبارهم ـ"ليس من سجع الكهان، ولا من الشعر، ولا من قول البشر".
أما إذا تعاملنا مع مقولتهم عن محمد (إنه"أمّي"على معنى أنه من الأمميين ـ أي من غير اليهود ـ فما هذا مما يعيبه. بل إنه لشرف له أنه من الأمميين أي أنه من غير اليهود.
ذلك لأن اعتداد اليهود بالتعالي على من عداهم من"الأمميين"، واعتبار أنفسهم وحدهم هم الأرقى والأعظم وأنهم هم شعب الله المختار ـ كما يزعمون. كل هذا مما يتنافي تمامًا مع ما جاء به محمد (من المساواة الكاملة بين بني البشر رغم اختلاف شعوبهم وألوانهم وألسنتهم على نحو ما ذكره القرآن؛ الذي اعتبر اختلاف الأجناس والألوان والألسنة هو لمجرد التعارف والتمايز؛ لكنه ـ أبدًا ـ لا يعطي تميزًا لجنس على جنس، فليس في الإسلام ـ كما يزعم اليهود ـ أنهم شعب الله المختار.