فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 3657

ومن المغالاة المرفوضة زعم البعض أن الكون ما خلق إلا من أجل محمد صلى الله عليه وسلم وينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثًا مكذوبًا يقول:"لولاك ما خلقت الأفلاك". مع مناقضته لصريح قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .

ومن غلوهم ومبالغاتهم الباطلة زعمهم أن يوم مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر وأن روحه تحضر الموالد ولذلك يقومون عندما يصل قارئ السيرة إلى لحظة ولادته وأنه حي حياة كاملة وأنه يكلم الأولياء وهذا يناقض العقل والنقل المؤكد لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.

ومن مبالغاتهم الممجوجة زعمهم أن نعل النبي صلى الله عليه وسلم على رؤوس الكائنات قال شاعرهم:

على رأس هذا الكون نعل محمد *** سمت فجميع الخلق تحت ظلاله

لدى الطور موسى نودي اخلع *** وأحمد إلى العرش لم يؤمر بخلع نعاله

ما قيمة هذا الكلام وما دليله من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن المغالاة المناقضة للقرآن الكريم زعمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب وفي هذا يقول البوصيري:

وإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم

ومن غلوهم زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام الواسطة والأصل في كل رحمة تحل بالوجود ورتبوا على ذلك اللجوء إليه صلى الله عليه وسلم لكشف الكريات واستنزال الرحمات:

يقوي البكري في لاميته!

ما أرسل الرحمن أو يرسل *** من رحمة تصعد أو تنزل

في ملكوت الله أو ملكه *** من كل ما يختص أو يشمل

إلا وطه المصطفى *** عبده نبيه مختاره المرسل

واسطة فيها وأصل لها *** يعلم هذا كل من يعقل

فلذ به به من كل ما تشتكي *** فهو شفيع دائمًا يقبل

ولذ به من كل ما ترتجي *** فإنه المأمل والمعقل

يا أكرم الخلق على ربه *** وخير من فيهم يسأل

كم مسني الكرب و كم مرة *** فرجت كربًا بعضه يُذهل

فبالذي خصك بين الورى *** برتبة عنه العلى تنزل

عجل بإذهاب الذي اشتكى *** فإن توقفت فمن الذي أسأل

وشرعوا لمن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجير به ويرجوه ويتضرع خاشعًا بين يديه فقالوا: الأدب أن يأتي الإنسان لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتوب من الذنوب والخطايا ثم يقول يا رسول قد ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وأتيت بجهلي وخطئي وزرًا كبيرًا ووفدت إليك مستجيرًا.

وهكذا نرى أن الغلو فيه عليه الصلاة والسلام والانسياق خلف العواطف الجياشة دون الانضباط بالضوابط الشرعية قد أوقع شرائح واسعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الشرك الأكبر والعياذ بالله حيث خلعوا عليه صلى الله عليه وسلم الكثير من صفات الرب سبحانه وتعالى بزعم حبه وتوقيره وهل وقع النصارى فيما وقعوا فيه في عيسى عليه السلام إلا بزعم حبه وتقديره.

وليس لأحد نجاة إلا بسلوك منهج الوسطية الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية

محمد شعبان أبو قرن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

محمد صلى الله عليه وسلم.. لولاه لهلكنا ومتنا على الكفر واستحققنا الخلود في النار.. به عرفنا طريق الله، وبه عرفنا مكائد الشيطان، شوقَنَا إلى الجنة، ما من طيب إلا وأرشدنا إليه، وما من خبيث إلا ونهانا عنه، ومن حقه علينا أن نحبه، لأنه:

يحشر المرء مع من أحب

جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة ؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أعددت لها؟". قال: إني أحب الله ورسوله. قال:"أنت مع من أحببت".

بهذا الحب تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحوض فتشرب الشربة المباركة الهنيئة التي لا ظمأ بعدها أبدًا.

أبشر بها يا ثوبان

قال القرطبي: كان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ما غير لونك؟!". قال: يا رسول الله.. ما بي ضر ولا وجع غير أنى إذا لم أراك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وأنى إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل لا أراك أبدًا، فأنزل الله عز وجل قوله:"ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا".

رحم الله ثوبان.. حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الشاعر:

الحزن يحرقه والليل يقلقه والصبر يسكته والحب ينطقه

ويستر الحال عمن ليس يعذره وكيف يستره والدمع يسبقه

الرحمة المهداة

قال عز وجل:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

لولاه لنزل العذاب بالأمة.. لولاه لاستحققنا الخلود في النار.. لولاه لضعنا.

قال ابن القيم في جلاء الأفهام:

"إن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت