(وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (7) .
الرأى الثالث:
ويرى الإمام الزمخشرى أن في هذه"الحروف"سرًّا دقيقاً من أسرار الإعجاز القرآنى المفحم ، وخلاصة رأيه نعرضها في الآتى:
"واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء يقصد الحروف وجدتها نصف حروف المعجم ، أربعة عشر سواء ، وهى: الألف واللام والميم والصاد ، والراء والكاف والهاء ، والياء والعين والطاء والسين والحاء ، والقاف والنون ، في تسع وعشرين سورة ، على حذو حروف المعجم".
ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف ، بيان ذلك أن فيها:
من المهموسة نصفها:
"الصاد ، والكاف ، والهاء والسين والخاء".
ومن المجهورة نصفها:
الألف واللام والميم ، والراء والعين والطاء ، والقاف والياء والنون.
ومن الشديدة نصفها:
"الألف والكاف ، والطاء والقاف".
ومن الرخوة نصفها:
"اللام والميم ، والراء والصاد ، والهاء والعين ، والسين والحاء والياء والنون".
ومن المطبقة نصفها:
"الصاد والطاء".
ومن المنفتحة نصفها:
"الألف واللام ، والميم والراء ، والكاف ، والهاء والعين والسين والحاء ، والقاف والياء والنون".
ومن المستعلية نصفها:
"القاف والصاد ، والطاء".
ومن المنخفضة نصفها:
"الألف واللام والميم ، والراء والكاف والهاء ، والياء ، والعين والسين ، والحاء والنون".
ومن حروف القلقلة نصفها:"القاف والطاء" (8) .
يريد أن يقول: إن هذه الحروف المذكورة يلحظ فيها ملحظان إعجازيان:
الأول: من حيث عدد الأبجدية العربية ، وهى ثمانية وعشرون حرفاً. فإن هذه الحروف المذكورة في فواتح السور تعادل نصف حروف الأبجدية ، يعنى أن المذكور منها أربعة عشر حرفاً والذى لم يذكر مثلها أربعة عشر حرفا:
14+14 = 28 حرفاً هى مجموع الأبجدية العربية.
الثانى: من حيث صفات الحروف وهى:
الهمس في مقابلة الجهارة.
الشدة في مقابلة الرخاوة.
الانطباق في مقابلة الانفتاح.
والاستعلاء في مقابلة الانخفاض.
والقلقلة في مقابلة غيرها.
نجد هذه الحروف المذكورة في الفواتح القرآنية لبعض سور القرآن تعادل نصف أحرف كل صفة من الصفات السبع المذكورة. وهذا الانتصاف مع ما يلاحظ فيه من التناسب الدقيق بين المذكور والمتروك ، لا يوجد إلا في كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . وهو ذو مغزى إعجازى مذهل لذوى الألباب ، لذلك نرى الإمام جار الله الزمخشرى يقول مُعقباً على هذا الصنع الحكيم:
"فسبحان الذى دقت في كل شىء حكمته. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته. فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التى منها تراكيب كلامهم ، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم ، وإلزام الحُجة إياهم (9) ."
ثم أخذ الإمام الزمخشرى ، يذكر في إسهاب الدقائق والأسرار واللطائف ، التى تستشف من هذه"الحروف"التى بدئت بها بعض سور القرآن ، وتابعه في ذلك السيد الشريف في حاشيته التى وضعها على الكشاف ، والمطبوعة بأسفل تفسير الزمخشرى. وذكر ما قاله الرجلان هنا يخرج بنا عن سبيل القصد الذى نتوخاه في هذه الرسالة. ونوصى القراء الكرام بالاطلاع عليه في المواضع المشار إليها في الهوامش المذكورة وبقى أمرٌ مهمٌّ في الرد على هذه الشبهة التى أثارها خصوم الإسلام ، وهى شبهة وصف القرآن بالكلام العاطل. نذكره في إيجاز في الأتى:
لو كانت هذه"الحروف"من الكلام العاطل لما تركها العرب المعارضون للدعوة في عصر نزول القرآن ، وهم المشهود لهم بالفصاحة والبلاغة ، والمهارة في البيان إنشاءً ونقداً ؛ فعلى قدرما طعنوا في القرآن لم يثبت عنهم أنهم عابوا هذه"الفواتح"وهم أهل الذكر"الاختصاص"فى هذا المجال. وأين يكون"الخواجات"الذين يتصدون الآن لنقد القرآن من أولئك الذين كانوا أعلم الناس بمزايا الكلام وعيوبه ؟!
وقد ذكر القرآن نفسه مطاعنهم في القرآن ، ولم يذكر بينها أنهم أخذوا على القرآن أىَّ مأخذ ، لا في مفرداته ولا في جمله ، ولا في تراكيبه. بل على العكس سلَّموا له بالتفوق في هذا الجانب ، وبعض العرب غير المسلمين امتدحوا هذا النظم القرآنى ورفعوه فوق كلام الإنس والجن.
ولشدة تأثيره على النفوس اكتفوا بالتواصى بينهم على عدم سماعه ، والشوشرة عليه.
والطاعنون الجدد في القرآن لا قدرة لهم على فهم تراكيب اللغة العربية ، ولا على صوغ تراكيبها صوغاً سليماً ، والشرط فيمن يتصدى لنقد شىء أن تكون خبرته وتجربته أقوى من الشىء الذى ينقده. وهذا الشرط منعدم أصلاً عندهم.
(1) انظر للوقوف على هذه المعانى: التفسير الكبير"للفخر الرازى. تفسير سورة البقرة."
(2) طه: 2.
(3) يس: 3.
(4) هود: 13-14.
(5) البقرة: 2.
(6) يعنى الضرب بالعصى على الأرض لتنبيه المراد تنبيهه.
(7) الأعراف: 204.
(8) الكشاف (ج1 ص 100- 103) .
(9) الكشاف: (ج1 ص 103) .