فهرس الكتاب

الصفحة 3025 من 3657

إن أبرز سمة في هذا الدين أنه دين الظاهر والباطن على حد سواء. لا يرضى أن يكون الظاهر نظيفاً والباطن غير نظيف، فيصبح رئاء الناس. ولا يرضى أن يكون الباطن نظيفا ولا صدى له في الظاهر فيفقد مهمته ومعناه. إنه الدين الذي يجعل العمل عبادة.. ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي ظل حياته كلها يتعبد بالعمل.. العمل المثمر النافع الظاهر للعيان.

فكيف جاز بعد هذا كله أن يتحول في قلوب المسلمين إلى مثال منعزل، ولو كان أرفع مثال على الأرض وأنبل مثال؟!

ولقد كان إحساسي بالرسول الكريم دائماً هو إحساسي بالواقع المجسم، لا بالخيال المحلق في الفضاء.

وكانت تهز وجداني هزاً عنيفا هذه الصورة المعروفة في كتب السيرة كلما قرأتها:"كان يمشي وكأنه يتقلع من الأرض..."وترتسم في خيالي صورة رائعة، حية شاخصة، ممتلئة بالحيوية، متوفزة النشاط.. عظيمة في هذا كله عظمة لا تحد. وانظر إلى الصورة التي تجسمت في خيالي فأرى النور الرائق الصافي يشع من أعماق روحه صلى الله عليه وسلم، وينفذ إلى أعماق نفسي، ويغلبني الوجدان وأنا أنظر إلى هذه الروح الصافية العميقة الشفافة المشعة، ومع ذلك فلا تلبث صورته أن تتحرك.. وأراه صلى الله عليه وسلم يمشي وكأنه يتقلع من الأرض. أراه.. بمقدار ما تطيق روحي أن تصل إليه.. متحركاً يضرب في مناكب الأرض، ويشق طريقه في قوة وثبات وتمكن، ويقيم البناء كله لبنة لبنة.. وأراه في مواقفه النفسية الدقيقة العميقة، فأكاد ألمس النفس الجياشة المتحركة الدافقة. وأراه في لحظات تعبده، والنور يتألق من روحه ومن طلعته، فأحس كأن هذا النور يتحرك.. يتحرك ممتداً حتى يشمل الفضاء.

الحركة الحية المتوفزة هي في نفسي صورة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم لا أحس بها منعزلة في الوجدان..

ثم أرى العزلة التي تعانيها صورته في وجدان المسلمين، فأعجب للناس كيف يحبونه كل هذا الحب، ثم لا يتدبرون حياته للقدوة والأسوة كما قال لهم ربهم في كتابه المبين؟!

وليس هذا كتاباً في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم!

وإنما هو جهد متواضع كل همي منه أن أحاول إخراج صورة الرسول من عزلتها الموحشة في قلوب المسلمين.

هدفي أن أقول للناس تدبروا بعض أقوال الرسول r ، وانظروا كيف كانت كل كلمة يقولها منهج تربية ومنهج سلوك ومنهج تفكير ومنهج حياة..

إنها مختارات متفرقة من الأحاديث، أو"قبسات من الرسول"كما أسميتها، كل منها يصلح أن يكون أحد"مفاهيم"الإسلام، مفاهيمه الواقعية الضاربة في مناكب الأرض، المتلبسة بصميم الحياة.

وليست هذه المختارات استقصاء لكل المفاهيم، ولا استقصاء لكل ما قيل في أي من هذه المفاهيم. وإنما هي مجرد مختارات كتبتها كما خطرت ببالي، وحسبي منها أن تفتح الطريق.

اللهم وفقني.. وأوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ.. إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير..

قبسات من الرسول صلى الله عليه وسلم فليغرسها

"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر" [1] .

ولعل آخر ما كان يدور في ذهن السامعين أن يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث!

ولعلهم توقعوا أن يقول لهم الرسول الذي جاء ليذكر الناس بالآخرة، ويحثهم على العمل لها، ويدعوهم إلى تنظيف ضمائرهم وسلوكهم من أجل اليوم الأكبر: يوم الحساب الذي تدان فيه النفوس.. لعلهم توقعوا أن يقول لهم: فليسرع كل منكم فليستغفر ربه عما قدمت يداه، وليتوجه لله بدعوة خالصة أن يميته على الإيمان ويقبل توبته ويبعثه على الهدى.. ولعلهم توقعوا أن يقول لهم: أسرعوا فانفضوا أيديكم من تراب الأرض.. وتطهروا. اتركوا كل أمور الدنيا وتوجهوا بقلوبكم إلى الآخرة. انقطعوا عن كل ما يربطكم بالأرض. اذكروا الله وحده. توجهوا إليه خالصين من كل رغبة في الحياة، حتى إذا ذهبتم إلى ربكم، ذهبتم وقد خلصت نفوسكم إليه، فيقبل أوبتكم ويظلكم بظله، حيث لا ظل إلا ظله.

ولو قال لهم ذلك فهل من عجب فيه؟!

أليس الطبيعي وقد تيقن الناس من القيامة أن ينصرفوا للحظة المرهوبة؟

أليس الطبيعي والهول المهول على الأبواب أن ينسلخ الناس من كل وشيجة تربطهم بالأرض، ويتطلعوا في رهبة الخائف وذهول المرتجف إلى قيام اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد؟!

فإذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تقفوا مذهولين مرجوفين مرعوبين، ولكن توجهوا إلى الله أن ينقذكم من هذا الكرب العظيم، أخلصوا له الدعاء فهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) . هلموا تطهروا، وصلوا إلى الله خاشعين..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت