فهرس الكتاب

الصفحة 3024 من 3657

وكلما انفرجت الشقة بين الواقع المشهود وبين تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، زادت صورته انحساراً في نفوس المسلمين، حتى ينتهي الأمر إلى أن تصبح"مثالاً"متألقاً في أعماق الوجدان، لا صورة حية في العيان، مثالاً منعزلاً عن واقع الحياة، لا يحكمها ولا يرسم منهجها، ولا يتجه الشعور إليه لتسيير دفتها!

ولكن أجيالاً متطاولة مضت قبل أن تتم العزلة في صورتها العنيفة التي تقوم اليوم في قلوب المسلمين.

كان الحكم في البلاد الإسلامية - رغم بعده التدريجي عن روح الإسلام - يقوم باسم الإسلام!

وكان المجتمع إسلامياً رغم فساد الحكام!

نعم. لقد ظل المجتمع في الريف والمدن البعيدة عن العواصم إسلامياً قرابة ألف سنة، لا يتأثر بفساد الحكم، ولا تصل إليه العدوى من العاصمة المنحلة التي فيها القصور الماجنة، وصور الحياة الدنسة.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يُحكِم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت"البيئة الزراعية"المماثلة في أوربا تقوم على علاقة السادة والعبيد: سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل.

في تلك الأثناء كانت بقية من صورته صلى الله عليه وسلم لم تنعزل بعد في وجدان المسلمين. ورغم أن المذاهب"الصوفية"كانت نشيطة في المجتمع الإسلامي كله في ذلك الوقت، والصوفية تجنح إلى العزلة عن الحياة والبعد عن مجالدتها، إلا أن هذه المذاهب قد أدت دوراً تاريخياً في منع المجتمع الإسلامي من التفكك، والإبقاء عليه مترابطاً"بأخوة"الصوفية كما أنها في غير قليل من الأحيان كانت تدخل معترك السياسة ولو من وراء ستار..

أما العزلة الكاملة الموحشة المرهوبة، فقد تمت وأحكمت حلقاتها حين بَعُدَ الحكم والمجتمع كلاهما عن الإسلام: اسمه وروحه، وصار الغرب هو الذي يحكم السياسة والمجتمع: باسمه الصريح حيناً، وعلى يد صنائعه النافرين من الإسلام حيناً آخر. وصار المجتمع الإسلامي صورة متحللة فاسدة من الأفكار الغريبة عن الحياة. لا هي إسلامية كما كانت، ولا هي نسيج واحد متميز، ولا تملك حتى القوة المادية التي يملكها الغرب، وإنما هي مسخ مشوه لا وحدة له ولا كيان.

عندئذ لم يعد الرسول صلى الله عليه وسلم"موجوداً"أصلاً في واقع الحياة. لم يعد كياناً حياً شاخصاً بلحمه ودمه، وأفكاره ومشاعره، وتنظيماته وتوجيهاته، ومادياته وروحانياته.. وانحصر وجوده في مشاعر الناس السلبية، في أعمق أعماقها.. في حالات الوجد والهيام.. أصبح صورة.. مجرد صورة مثالية. لا يمسكها إلا الحب العنيف أن تكون أسطورة محلقة في الخيال!

يا حسرة على العباد!

كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟ كيف جاز لهم أن يبددوا أكبر طاقة بشرية كونية في هذا الوجود، فينحسروا بها في عزلة عن الحياة؟! وهل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يصنع معه هذا الصنيع؟ الرسول الذي كان طاقة حية متحركة فعالة هادمة بناءة لا تكف لحظة عن النشاط؟ الرجل الذي كان كله حياة في واقع الأرض، يصبح معزولاً عن واقع الأرض؟! وممن! من أتباعه ومحبيه!

لو عاش صلى الله عليه وسلم في صومعته..

لو كان"فيلسوفاً"ممن ينشئون الأفكار ويعجزون عن التنفيذ..

لو كان ممن يحدثون عن"الأحلام"الجميلة و"المثل"الرفيعة ولا يبين لهم في واقع الأرض كيف تكون الطريق.

لو أنه كان"شاعراً"أو"كاهناً"...

لو أنه كان شيئاً من هذا كله لجاز للناس أن يعزلوه في وجدانهم، فيمنحوه الحب"النظري"والإعجاب المجرد، ثم.. لا يلتفتوا إليه وهم يواجهون عالم الواقع ويضربون في مناكب الأرض.

أما وهو الذي بين لهم كيف يضربون في مناكب الأرض.. أما وهو الذي أمسك المعول بيده فهدم الباطل أمام أعينهم وبنى بدله صرح الحق.. أما وهو الذي حارب معهم وأقام السلم.. وشيد بناء الدولة لهم لبنة لبنة حتى قام شاهقاً لا يطاوله بناء على الأرض.. وأكل معهم وشرب، وصحبهم وصحبوه، وعاش أمامهم كل لحظة من لحظات الحياة، وكل وجدان من وجداناتها وكل سلوك، ورأوه"يتصرف"في كل شأن من الشئون كبيرها وصغيرها، ليكون تصرفه سنة تحتذى، ويكون فيه أسوة حسنة للناس..

أما وهو هذا كله فأي جرم في تبديد هذه الطاقة البشرية الكونية الكبرى، وحصرها في داخل الوجدان؟!

وهل جاء محمد صلى الله عليه وسلم لينعزل في الوجدان، والدين الذي جاء به هو الدين الذي يأبى الانعزال في الوجدان؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت