ومن تعظيمه: حفظ حرمة بلده المدينة النبوية؛ فإنها مهاجره، ودار نصرته، وبلد أنصاره، ومحل إقامة دينه، ومدفنه، وفيها مسجده خير المساجد بعد المسجد الحرام. والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها، وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها، وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم فيتأكد فيها العمل الصالح وتعظم فيها السيئة؛ لشرف المكان.
صور من البخس:
بعد هذه الجولة الماتعة مع حق عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يسوغ أبداً لمنتسب إلى السنة أن يجفو في حق نبيه صلى الله عليه وسلم فيخل بما يجب له من الإجلال والتوقير والتعظيم. ومن صور الإخلال: التقصير في معرفته أو معرفة سيرته وهديه أو فهم سنته أو الإخلال في تطبيقها غلواً أو جفاء. ومنها: إساءة العمل والتقصير في الصالحات، وخاصة ممن ينتسب لآل بيته الكرام. ومن العجيب مع تأكد هذا الحق العظيم أن يقع التعرض بسوء للمؤمنين الصادقين من آل البيت! وأعجب منه سب صحابته والنيل من أزواجه الطاهرات! وأكبر منها الإساءة إلى ذات النبي صلى الله عليه وسلم، والجرأة على نقده ولمز شريعته في ديار المسلمين!! ثم أين هو من دين النبي صلى الله عليه وسلم من يستبدل شريعته بقوانين البشر، أو يهزأ من هديه، أو يتعالى على سنته؟!
وبعد: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! هل عظَّم نبيكم وحبيبكم صلى الله عليه وسلم من حلف به مع أنه صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» ، ويقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك» ؟! وهل عظَّمه من توسل بذاته مع أن الصحابة توسلوا بدعائه لا بذاته، كما في حديث عمر حين طلب من العباس الدعاء والاستسقاء والنبي صلى الله عليه وسلم عندهم في قبره؟! وهل عظَّمه من توجه إليه طالباً منه الشفاعة مع أن الله عز وجل بين للأمة أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه تعالى ورضاه، وأمر من أراد الشفاعة بطلبها بطاعته؟! وهل عظمه من استغاث به مع أنه بشر لا يملك من أمره شيئا؟! أليس هذا تنكراً لمحبته وتعدياً لشرعه وعصياناً لأمره؟ حيث قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» ؟!
وهل من تعظيمه الابتداع في دينه، والزيادة في شريعته من التمسح بحجرته أو الاحتفال بمولده بعد اتفاقنا على نصحه لأمته ودلالتها على كل حسن؟! فأي حسن في عمل احتفالات ساعات أو أيام ثم التقصير والإهمال في سائر العام؟! وأي حسن في الاحتفال بزمن توفي فيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؟! وأي حسن في مشابهة دين النصارى المفتونين بالاحتفالات؟! وأي حسن في التعدي على فقه الفاروق حين أرَّخ بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم رمز انتصار دينه، ولم يؤرخ بمولده ووفاته، تقديماً للحقائق والمعاني على الطقوس والأشكال؟! وأي حسن في تجديد دين الدولة العبيدية الباطنية الحاقدة التي ابتدعت ذلك الاحتفال؟! وأي حسن في عمل لم يشرعه الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله أنصاره وحماة دينه وحملة رسالته رضي الله عنهم؟ أليسوا أصدق الناس حباً له؟! أليس فقه الراشدين وفهمهم وسنتهم مما أوصاكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم قائلا: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ؟! أليس فعل المولد مخالفة لأمره: وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة؟!
فأي تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الموالد التي صارت ركباً للمدعين، وحجة للبطالين؟! ألا ترون المولد بعد هذا تقصيراً في حق حبيبنا صلى الله عليه وسلم وظلماً له؟! اللهم اجعلنا من المعظمين رسولنا -صلى الله عليه وسلم- حق التعظيم المتبعين شرعه، السائرين على دربه، المهتدين بهديه، اللهم أحينا على سنته، ولا تحرمنا من مرافقته في الجنة.. آمين.
خباب بن مروان الحمد
المقدمة
المبحث الأول: في حكم الاحتفال بذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم
المبحث الثاني: ذكر أقوال لأهل العلم فيه.
المبحث الثالث: شبهات وردود.
المقدمة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى الله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.. أما بعد:
أخي المسلم.. أختي المسلمة..