فهرس الكتاب

الصفحة 2727 من 3657

إنه ليحزنني أن تُستغل قضية دينية لمآرب سياسية. وهذا ما حدث بالضبط، فبعض المعارضين السياسيين والاقتصاديين في أوروبا، لم تكن معارضتهم نابعة عن صدق، بل لمنافسة حزبية قميئة، ومنافسة تجارية واضحة، لا تنطلي إلاّ على السذج. ولهذا كان على حكماء المسلمين أن لا ينخدعوا بخطط الصاعدين على أكتاف الحدث، والذين يطمعون في تحقيق مصالح مادية أو شخصية. كان على حكماء الأمة الإسلامية توضيح ذلك لعامة الشعوب الإسلامية. من ذلك مثلاً تزويدهم بمعلومات صادقة وحيادية، ونشر ثقافة الاحتجاج السلمي، بدل العنف الذي ظهر على شاشات التلفاز البريطاني، حيث صُور المسلمون وهم يحملون الفؤوس والسواطير، ويحملون شعارات الموت الزؤوم للنصارى، ويدعون لقتل عدد كبير من النصارى على حد تعبير شعاراتهم المسيئة للإسلام والمسلمين. كان على علماء المسلمين التصدي للفتاوى التي تسيء للدين الإسلامي، مثل فتوى عويلم كويتي قال فيها باستباحة دم رسام الكاريكاتير الدنماركي.

إنني والله لأعجب أشد ما يكون العجب من أمة كرمها الله بالقرآن، وأرسل إليها رسول الهدى والحكمة أن تنجرف إلى هذا القدر من غياب العقل والحق. فما كان يجب تعميم الذنب ومعاقبة الكل. وما كان يجب أن تصدر ردود أفعالنا السياسية بناء على عواطف شعبية، لا نعرف من يديرها ويثيرها، وما كان يجب أن تُغيّب الحقائق هكذا. لماذا لا تنشر الصحافة الإسلامية مقابلات مع مسلمين من أوروبا لنعرف موقفهم، لأنهم هم مع الإسلام في أوروبا هما المتضررون أولاً وأخيراً من ردود أفعالنا. لماذا لا نسأل هذا السؤال البسيط: من الذي أثار الرأي العام الإسلامي بخصوص الرسومات بعد نشرها بثلاثة أشهر. نعم ثلاثة أشهر لم يعرف عنها المسلمون في آسيا وأفريقيا وبعض بلدان أوروبا شيئاً يذكر. وهي نشرت في صحيفة لا يقرؤها إلا من يجيد اللغة الدنماركية، وهم قلة مقارنة بمن يقرأ بالانجليزية أو الاسبانية أو الفرنسية .من وراء الحدث يا ترى؟

أسئلة كثيرة عالقة. ويهمني أن أقول بصراحة ان المتشددين والمتطرفين في أوروبا والعالم الإسلامي سواء بسواء هم من يغذي مثل هذه المواقف. والحق أن هذا الحدث المشين لم يكن الأول ولن يكون الأخير، فمنذ بزوغ الإسلام ونبيه يتعرض في كل عصر ومصر لحملات هوجاء، ولم يضره في حياته، ولن يضره في مماته. وأنبياء الله يتعرضون لسخرية واسعة في الإعلام الغربي والسينما الغربية والمؤلفات الغربية. ولن تقف تلك السخرية إلا بسن قوانين صارمة من قبل المشرعين الغربيين، تُجرم تلك الأفعال. أما تأليب الرأي العام الإسلامي بهذه الصورة، فلا أظن أنها مفيدة، ولن تحقق ما نرجوه، بل أضرارها كثيرة، وقد تكون قاتلة وتؤدي إلى صدام حضاري بيننا وبين الغرب. وهو ما يسعى إليه المتطرفون الجاهلون من قبل الطرفين. والله أعلم.

صحيفة الرياض السعودية

الكاتب: احميدة النيفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت