من المحال أن يفهم من له أدنى حظ من عقل أو تمييز أن في الآية الأولى نهياً ، وأن في الآية الثانية إكراهاً ويبدو بكل وضوح أن مثيرى هذه الشبهات في أشد الحاجة إلى من يعلمهم القراءة والكتابة على منهج: وزن وخزن وزرع.
ويبدو بكل وضوح أنهم أعجميو اللسان ، لا يجيدون إلا الرطانة والتهتهة ؛ لأنهم جهلة باللغة العربية ، لغة التنزيل المعجز. ومع هذه المخازى يُنَصَّبُون أنفسهم لنقد القرآن ، الذى أعجز الإنس والجن.
لا نهى في الآية الأولى ، لأن النهى في لغة التنزيل له أسلوب لغوى معروف ، هو دخول"لا"الناهية على الفعل المضارع مثل: لا تفعل كذا.
ويقوم مقامه أسلوب آخر هو: إياك أن تفعل ، جامعًا بين التحذير والنهى ، ولا إكراه في الآية الثانية.
وقد جهل هؤلاء الحقدة أن الإكراه من صفات الأفعال لا من صفات الأقوال أما كان الحرى بهم أن يستحيوا من ارتكاب هذه الحماقات الفاضحة.
إن الآية الأولى: (وبشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) تحمل إنذاراً ووعيداً. أما النهى فلا وجود له فيها والآية الثانية تسجل عن طريق"الخبر"انحراف اليهود والنصارى في العقيدة ، وكفرهم بعقيدة التوحيد ، وهى الأساس الذى قامت عليه رسالات الله عز وجل.
وليس في هذه الآية نفاق أصلاً ، ولكن فيها رمز إلى أن اليهود والنصارى حين نسبوا"الأبنية"لله لم يكونوا على ثقة بما يقولون ، ومع هذا فإنهم ظلوا في خداع أنفسهم.
وكيف يكون القرآن قد أكرههم على هذا النفاق"المودرن"وهو في الوقت نفسه يدعو عليهم بالهلاك بقبح إشراكهم بالله:
(قاتلهم الله) .
(1) النساء: 82.
(2) يونس: 64.
(3) النحل: 101.
(4) الكهف: 27.
(5) البقرة: 106.
(6) الحجر: 9.
(7) الرعد: 39.
(8) آل عمران: 185.
(9) انظر تفسير فتح القدير (ج2/232) (10) تفسير فتح القدير (ج3 ـ ص 333) .
(11) الأنبياء: 23.
(12) السجدة: 5.
(13) المعارج: 4.
(14) الواقعة: 13 ـ 14.
(15) الواقعة: 39 ـ 40.
(16) النساء: 138.
(17) التوبة: 30.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
جاء في سورة الإسراء: (وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) (1) . (وقرآنا فرقناه) : نزلناه مفرقاً منجماً"فإنه نزل في تضاعيف عشرين سنة" (لتقرأه على الناس على مكث) :
على مهل وتؤدة. فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم (ونزلناه تنزيلا) حسب الحوادث ، بعد هذه المقدمة قالوا:
"كيف يكون القرآن وحياً ، وهو متقطع مفرق يأتى بعضه في وقت ، ويتأخر بعضه إلى وقت آخر ، لقد كان محمد يرتبك عندما كان العرب أو اليهود أو النصارى يسألونه. وأحياناً كان يحتج بأن جبريل تأخر."
الرد على هذه الشبهة:
إنهم يستبعدون أن يكون القرآن وحياً لأنه لم ينزل مرة واحدة. فنزوله مفرقاً على مدى ثلاث وعشرين سنة ينفى عنه كونه وحياً من عند الله ، هذه واحدة ويثبت أنه كلام مفكك ، وهذه ثانية ونقول لهم على وفق طريقتهم:
ونحن نسأل:
من أين لكم هذا الدليل ؟ أَنَزل عليكم وحى من الله قال لكم فيه: إن كل وحى من عندى يكون نزوله دفعة واحدة. وكل ما خالف هذا لا يكون وحياً ؟ ! هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. هذا عن الأولى.
أما عن الثانية ، فمن يجاريكم من العقلاء على هذا المعيار الذى وضعتموه لمعرفة الكلام المفكك الذى تتهمون كلام رب العالمين به ؟ إن الكلام المفكك عند العقلاء هو الكلام الذى لا يناسب بعضه بعضاً ، لامن حيث المفردات والتراكيب ولا من حيث المعانى والدلالات. وهذا معيار عام لا يخص كلاماً دون كلام ، فمن الناس من يكتب كتاباً في سنة ، أو خمس ، أو عشر ، ويأتى ما كتبه آية في الجودة والإتقان. ولو قدر لإنسان أن يكتب كتاباً من مائة صفحة في ساعة أو ساعتين أو ثلاث لجاء كتابه"تخاليط"يصد عنه الناس.
والقرآن ، الذى نزل مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة ، ليس له مثيل ولاحتى مقارب في إحكام نسجه ، وتآلف نظمه وصحة معناه وصفاء عباراته ، وسلامة لغته من كل عيب أو قصور.
كتاب قطع عمراً من الدهر يقترب من الألف ونصف الألف من السنين ، ومع هذا فهو كتاب كل عصر سام فوق كل كلام قيل بعده أو قبله أو في عصر نزوله و معانيه تكشف للناس في كل عصر سبقاً في ميادين المعرفة يذهل ويدهش. وكفاه فضلاً سبقه للحضارات الحديثة في مختلف ميادين المعرفة العلوية والأرضية وما بين السماء والأرض ، وما في أعماق الأنهار والبحار والمحيطات ، وما في أعماق الأرض.
وكل هذا وفاء بالوعد الإلهى ، الذى ورد في القرآن: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (2) .