واليوم ونحن في غاية الوجل والخوف بدأنا نلحظ مواقف كنا نظنها من المستحيلات. فالمواقف الأمريكية والغربية السابقة لم تكن لتنبئ بأنهما يستران خوفاً وجزعاً عميقين من الإسلام وأهله، فاليوم نجد الغرب بكل طغيانه وجبروته يساوم حماس وهي على ضعفها وقلة حيلتها وابتعاد مراكز القوى عنها ململمة أطراف أثوابها كي لا يتلطخ ثوبها بالدم المتطاير لما يعتقدونه من دنو أجل حماس على أيدي أمريكا والعدو الصهيوني. ولكن ظهور حماس معتدة بمبادئها عزيزة في مواقفها تتعامل مع العدو بالعزة والندية أربك العدو وأربك الغرب وأظهر عوار الهيمنة الغربية ومواطن ضعفها، فالغرب لا يهيمن أو يسيطر إلا من حيث يجد فينا خوراً أو ضعفاً ولا يتبجح ويصول وينتفخ إلا عندما نتوارى ونبتعد ونذل ونكسر كبريائنا وننهزم في داخلنا فيخلو له الأمر إذ لا يجد ما يهزمه فينا وقد كفيناه المؤونة في ذلك. وما ينطبق على حماس ينطبق على غيره من الكيانات المسلمة أو ذات التوجه الإسلامي رسمية كانت أو غير رسمية دولية كانت أو محلية.
واليوم أتسائل، ماذا لو أن رجال الأعمال قرروا مجتمعين أن يضربوا بعرض الحائط مخاوفهم ويعلنوا على قلب رجل واحد نصرتهم لقضايا الإسلام والمسلمين وتبرعهم المباشر دعماً لإخوانهم وأخواتهم في كل موطن من مواطن الاحتياج سواء كان ذلك في فلسطين أو العراق أو أفغانستان؟ وماذا لو أن الحكومات العربية والإسلامية قررت مجتمعة أن ترفض المطالب الأمريكية بتجميد الحسابات وحجز الأموال؟ وماذا لو قررت المصارف العربية والإسلامية حماية عملائها وسريتهم، فرفضت مراقبة حساباتهم أو الكشف عنها؟ وماذا لو تم تجنيد القوى الاقتصادية والقوى الشرائية في سبيل إملاء شروطنا ومطالبنا الأمنية والسياسية لنخفف عن أسرانا في السجون الأمريكية والأوروبية؟ ترى ماذا سيقول الغرب وكيف يصنع في مواجهة هذه المواقف؟ لقد من الله علينا ليرينا ما قدّر أن يكشفه ويظهره من إمكانيات كامنة فينا من جهة وضعف وهلع مستتر في الغرب من جهة أخرى. ولعلنا اليوم نشير إلى الحالة الحماسية عنواناً لمواقف حماس وردود الفعل الغربية المتحولة والمتغيرة بحسب صرامة رد فعل الشارع المسلم وقدرته في التأثير. إن هاتين الحالتين خير مثال وخير مؤشر وخير مرشد.
ولطالما بحثت الأمة عن تلكم الطليعة التي تقدم نفسها فداء للأمة، فقدر الله أن ينيط هذا الشرف بأخوة لنا في فلسطين يتمثلون في حركتي حماس والجهاد وفي كل من آمن بحقه في الذود عن مقدساته ومقاومة العدوان والاحتلال بكل الوسائل المشروعة التي أقرها الله سبحانه وتعالى القائل: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) . أما في محيط الأمة وهيمنة الحكومات ومراكز القوى فيها فقد أظهرت لنا الأحداث أن هذه الحكومات اندهشت من الموقف المتراخي للغرب أمام صمود حماس وصمود الشعوب الإسلامية في الحالة الدنماركية فمنهم من سارع أن يلملم ما تبعثر ويضمد الجراح وكأنه يقول لحماس ولشعبه على استحياء (إنه لم يكن يقصد القيطعة أو الطرد ولم يكن يقصد التسلط والتجبر) محاولاً البحث عن ثوب جديد يناسب الحالة الجديدة بعد أن اضطرت أمريكا نفسها، والغرب من ورائها، أن يجدوا لانفسهم ثياباً وأزياء تنكرية جديدة تناسب الحالة. وهناك آخرون استيقنوا أن الإذعان للغرب ومراده لم يكن في محله وأصبح غير مبرر، وعندما ضربت حماس مثالاً استيقظوا من سباتهم وأصبحت مواقفهم أكثر ملاءمة وألصق برغبات شعوبهم ومواقفها. إننا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي ينبئ بصعود مؤشر الرفض الإسلامي واستقلالية القرار والأخذ بزمام المبادرة مروراً بالتأثير ثم الغلبة وانتهاء إن شاء الله بالتمكين ولكن كل ذلك لن يكون ما لم نعمل بسيرة الأولين في إطار المعطيات الراهنة كل حسب إمكانياته ولنا في حماس من جهة وباقي الشعوب الإسلامية من جهة أخرى قدوة ومثال على إنزال متطلباتنا منزل التفعيل في كل زمان ومكان. إنني أدعو وبكل صدق أن يعيد كل منا النظر في ذاته وفي مواقفه وفي مخاوفه ومصالحه واضعاً الأولويات التي من شأنها في خاتمة المطاف أن تحافظ على هذه المصالح ومصالح الأجيال القادمة مهما ظهرت من خسائر أولية. إنها دعوة إلى كل إنسان مسلم من خلال إمكانياته سواء كان تاجراً أو مصرفياً أو إعلامياً أو سياسياً أو مستهلكاً لسلعة أو مربياً في مدرسة أو خطيباً في مسجد أو صاحب مهنة حرة أو فناناً مبدعاً أو صاحب حرفة يدوية أو حاكماً أو مسؤولاً لأن نعيد صياغة المواقف والمفاهيم وننفض غبار الذل والخضوع متحدين بذلك كل من أراد أن يفرض علينا رؤيته أو يجبرنا أن نشاركه ظلم إخواننا وبني ديننا. يمكننا اليوم, لما نراه من شواهد, أن نقول (لا) وأن نعمل بمقتضاها.
والله من وراء القصد,
نشرت بالعدد (15647) من جريدة المدينة، يوم الجمعة بتاريخ 25محرم 1427ه الموافق 24 فبراير 2006م،