كالاستقلالية الكاملة والسيادة المطلقة والعوالم المنفصلة. ضمن هذا السياق يكون السؤال الأنجع: كيف تساهم الخصوصيات العرقية والثقافية والدينية في التأسيس لعالم تصاغ فيه الحدود القديمة في شكل يحقق تعايشاً على رغم الاختلاف بل وبفضله؟إن ما تجاهلته الرسوم الدنماركية الأوروبية وأعرضت عنه غالبية ردود الفعل العنيفة هو أننا أصبحنا مدعوّين إلى أن نعيش معاً ومختلفين. ما اقترفته الرسوم الدنماركية وأصرّ عليه أصحاب بعض الصحف الأوروبية هو رفض لواقع مستقبلي هو قيد التشكّل بخطى وئيدة وأكيدة تتجه نحو عالمية ثقافية تأسس لحداثات مختلفة وكونيات متحاورة، من أبرزها حداثة وكونية إسلامية. ما صنعه واضعو الرسوم وناشروها كان أكثر كاريكاتوريّة من الرّسوم نفسها لأنه كشف عن جهل فاضح وسوء تقدير لمسيرة التاريخ البشري في راهنيته. ذلك أن معنى الرسوم - من الزاوية الحضارية المعاصرة - هو أن أصحابها يفكرون من داخل حصون افتراضية متداعية يعلو فيها بكاء على عالم يتجه إلى الانقراض، عالم شعاره: «الشرقُ شرقٌ والغرب غرب ولن يلتقيا» . كاريكاتورية الرسوم أعادت السحرَ على الساحر لأنها عبّرت عن سذاجة القائلين بحداثة واحدة ووحيدة يسعى إلى النيل منها «البرابرة» من أبناء محمد وبناته. منتهى ما يمكن أن نقترحه من جانبنا العربي الإسلامي كإضافة الى الرسوم وكتعليق عليها وعبارة نقتبسها من كتاب تداولناه قديماً بيننا: «حصوننا مهددة من الداخل» .يبقى بعد هذا الطرف المقابل وكيف عبّر عن موقفه من الإساءة التي انضافت إلى سلسلة طويلة من الإهانات والاستباحات؟ غالب ردود فعل الطرف العربي المسلم كانت إما غير مقنعة وإما مثبتة لصفة الهمجية التي عمل على إلصاقها أصحاب الرسوم الدنماركية بالمسلمين.هذا الصنف الأول من المواقف والكتابات كان تعبيراً عن فجيعة قديمة -متجددة لقسم مهم من المسلمين. إنها - بحسب عبارة صاحب سراج الملوك - الفجيعة «من الدهر الخؤون، دهر ذهب صفوه وبقي كدره. فالموت تحفة لكل مسلم...» . نسبةٌ أقل من ردود الفعل كانت مغايرة في طبيعتها ووجهتها لما انساقت فيه الجموع الغاضبة المفجوعة. من بين هذه الأقلية الواعدة ارتفع شعار: «... إلا رسول الله» تعبيراً واعياً عن رفض الإساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا أولاً. ثم لأن في هذا الموقف قبولاً بحضارة كونية تعبُر الثقافات والمجتمعات لا ينبغي أن يفضي إلى التنميط وإلغاء الاختلاف. عبارة «إلا رسول الله» ترفض دخول الحداثة القهقرى، دخول السخط على الأزمنة الحديثة والتبرّم من الدهر الخؤون. إنها عبارة تعلن الاشتراك في صنع عالم حديث بمقاييس مرجعية مختلفة. أخيراً، «إلا رسول الله» رفض للرسوم الدنماركية لأنها رسوم عنصرية - شيطانية. إن من أشد ما يؤذي في تلك الرسوم أنها ربطت ربطَ تأبيد بين العنف والعدوانية وبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه. مؤدى الرسوم أن الإسلام شرٌّ محض وأن جوهر المسلمين لا يقبل ارتقاء أو تغييراً. إنه الخطاب ذاته الذي اعتمده إبليس حين تمرّد ورفض قبول الآدمي لكونه مخلوقاً دونيّاً لا يمكنه التغلب على جوهره الترابي. تلك هي الرسوم في رؤيتها الجوهرانية للإسلام ومؤسسه وأتباعه، إنهم جميعاً في حضيض التدنّي والهمجية لا يستطيعون منهما براحاً. تأمّل الرسوم الدنماركية في ضوء مقولة: «إلا رسول الله» يوصلنا إلى جانب أساس من أصالة الرسالة المحمدية كما صاغها القرآن الكريم. أصالةٌ جاءت الرسوم لتطمسها، في حين أن الرسالة المحمدية ما تحققت إلا نتيجة ثقة في الآدمي وقدراته فاتحة آفاقاً غير محدودة للبشرية. ما أبرزته الرسوم من عنف يقوم به بعض المسلمين فيه تجاهل لتداخل العناصر المؤدية إلى ذلك العنف بحصرها في جهة واحدة هي جهة المسلمين وحدهم. الأخطر من هذا هو هذه اللوثة الشيطانية التي تجعل ديانة كبرى مصدراً للشر الذي لا ينضب. يحصل هذا بينما يتميّز الخطاب القرآني برهان دائم على آدمي له من القدرات ما يتيح له أخطاء وصعوداً عبر الحرية التي أعطاه إياها الخالق. هكذا تندرج عنصرية المركزيات الثقافية المعاصرة في جوهرانية البؤس الإبليسي، إنها في اعتقادها بتفوّقها الذي لا يُطاول لا ترى في الآخر إلا مجموعة من الثوابت والطبائع المتناقضة الحاجزة عن كل تغيير. في مواجهة هذا تأتي مقولة «إلا رسول الله» مع مواقف قليلة أخرى لتضيء دروب مستقبل للإنسانية أكثر رحابة وثراء. باحث تونسي صحيفة الحياة اللندنية
الكاتب: توميك كرزيزوستانياك