فهرس الكتاب

الصفحة 2366 من 3657

(( لما سمع عدي بن حاتم رضي الله عنه هذه الآية - وقد كان قبل إسلامه نصرانياً - أشكلت عليه فقال: إنا لسنا نعبدهم قال:(أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلّون ما حرم الله، فتحلونه؟) ، فقال: بلى. قال: (فتلك عبادتهم ) )).

وهذا يبيِّن خطورة الابتداع في دين الله تعالى.

(*) مفرغ مع بعض الاختصار من أحد أشرطة سلسلة الهدى والنور للشيخ الألباني رحمه الله تعالى. رقم الشريط 94/1

والشريط موجود على الشبكة العنكبوتية في موقع طريق الإسلام

[1] المراد هو: محمد بن علوي المالكي. أحد القائلين بمشروعية الموالد.

د. عبد الستار إبراهيم الهيتي

في فترة من فترات التاريخ الغابرة، وعلى ثرى البقعة المباركة التي اختارها الله لتكون مثابة للناس وأمنا، وفي ظل أجواء مليئة بالجهل والظلم، وتحكم الغني بالفقير، وسيطرة القوي على الضعيف كان العالم كله يرقب ولادة جديدة تنتشل الأمة من وهدتها، وتطيح بالظلم والطغيان لتضع الأمور في نصابها وتعيد للإنسانية كرامتها وترتفع بالبشرية من حياة الذل والضياع متطلعة بها إلى حياة العزة والمجد.

وسط هذه الأجواء الملبدة بغيوم الجهل والشرك والوثنية كانت الولادة المرتقبة، فانتبهت مكة على إيقاع صوت الحق ينطلق من بين أزقتها، وأفاقت تلك المدينة المقدسة الوادعة على أنغام الترحاب بالوليد اليتيم الذي لم يكن يخطر ببال أحد أنه سيكون منقذا لأمة ومؤسسا لحضارة ومعلما للبشرية وقائدا لركب الإيمان والتوحيد.

إنه في صبيحة الثاني عشر من ربيع الأول كان العالم على موعد مع العلم والفضيلة والحضارة التي انطوت جميعها فتمثلت بالميلاد الميمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت كانت فيه البشرية بأمس الحاجة إلى تصحيح الأفكار وبناء العقائد وبرمجة الرؤى والتوجهات، بحيث أصبح ذلك الميلاد علامة مضيئة في التاريخ الإنساني ليس للمسلمين فحسب وإنما للإنسانية جمعاء على اختلاف مللها وتعدد نحلها، ويؤكد هذا المعنى ما أشار إليه أحد الشعراء المسيحيين بقوله:

أمحمد والمجد بعض صفاته مجّدت في تعليمك الأديانا

بعث الجهاد لدن بعثت وجردت أسياف صحبك تفتح البلدانا

رفعت ذكر الله في أمية وثنية ونفحتها الإيمانا

مرحا لأمي يعلم سفره نبغاء يعرب حكمة وبيانا

إني مسيحي أحب محمدا وأراه في فلك العلا عنوانا

لم يكن ميلاد محمد بن عبد الله العربي القرشي حدثا تاريخيا عابرا يمر عليه المؤرخون مرورا وإنما مثّل من خلال نبوته ورسالته أبرز دعوات الإصلاح والتربية في دنيا البشرية على الإطلاق، فقد استطاع أن يجعل من جزيرة العرب مصدر إشعاع فكري وثقافي وحضاري، قدمت الأمة من خلاله للعالم صياغة روحية ومادية حملت بين طياتها معالم البعد الرسالي لدعوة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، حيث تمكن محمد «صلى الله عليه وسلم» أن يتبوأ قمة الهرم ليكون على رأس المصلحين الذين كان لهم أثر بارز في توجيه البشرية نحو الفضيلة والرشاد، وفي هذا يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

المصلحون أصابع جمعت يدا هي أنت بل أنت اليد العصماء

ففي ميدان الإصلاح العقائدي والفكري كان لمحمد «صلى الله عليه وسلم» الفضل الكبير في ترسيخ معالم عقيدة التوحيد التي تعني إفراد العبودية لله تعالى ونبذ الشرك والوثنية والإطاحة بعبادة الأصنام لتخليص الفكر البشري من سفاهات العقائد الباطلة والترفع به عن عبادة البشر أو الحجر:

بك يا ابن عبد الله قامت سمحة للحق من ملل الهدى غراء

بنيت على التوحيد وهو حقيقة نادى بها سقراط والحكماء

وفي ميدان الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي كان لمحمد «صلى الله عليه وسلم» الباع الطويل في بناء نظرية اقتصادية ترعى الفقراء وتهتم بشؤونهم وتحافظ على حقوقهم من أن يتعدى عليها المتنفذون وأصحاب رءوس الأموال، كما كان له الفضل الكبير في تحقيق العدالة والمساواة بعيدا عن التمايز الطبقي أو التفاوت الاجتماعي:

جاءت فوحّدت الزكاة سبيله حتى التقى الكرماء والبخلاء

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في حق الحياة سواء

فلو أن إنسانا تخيّر ملّة ما اختار إلا دينَك الفقراء

أما السياسة والقيادة عند محمد «صلى الله عليه وسلم» فلها نمط آخر وصيغة متقدمة لم يستطع العالم الذي يعيش اليوم أوج حضارته وقمة تقدمه الحضاري أن يصل إلى ذلك النهج السوي من حيث الوضوح في الطرح والصدق في التعامل والأمانة في العهود والعدل في الحكم، فمزج بذلك السياسة بالأخلاق والقيادة بالرحمة والإمارة بالمساواة، فتحقق بذلك حلم الفلاسفة القدماء وآمال المفكرين الحكماء:

والدين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت