أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي قال أخبرنا أبو بكر أحمد ابن إبراهيم الإسماعيلي قال أخبرنا أبو يعلى قال حدثنا جعفر بن مهران قال حدثنا عبد الوراث عن عبد العزيز عن أنس قال كان رجلاً نصرانيًا فأسلم على عهد رسول الله وقرأ البقرة وآل عمران قال فكان يكتب للنبي قال فعاد نصرانيًا وكان يقول ما أرى يحسن محمدًا إلا ما كنت أكتب له فأماته الله عز وجل فأقبروه فأصبح قد لفظته الأرض قالوا هذا عمل محمد وأصحابه أنه لما لم يرض دينهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه قال فحفروا له فأعمقوا في الأرض ما أستطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس وأنه من الله عز وجل.
رواه البخاري في الصحيح عن أبي معمر عن الوارث ورواه حميد الطويل عن أنس بن مالك بمعناه يزيد وينقص ومما زاد فقال نبي الله لا تقبله الأرض فذكر أن أبا طلحة أتى الأرض التي مات فيها فوجده منبوذًا فقال ما بال هذا قالوا دفناه مرارًا فلم تقبله الأرض..
-وجحده رجل بيع فرس ـ وهي التي شهد فيها خزيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، فرد الفرس بعد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل، وقال: اللهم إن كان كاذباً فلا تبارك له فيها. فأصبحت شاصية برجلها، أي رافعةً.
وهذا الباب أكثر من أن يحاط به.
المعجزات النبوية بين الغلاة والمقصرين
الدكتور يوسف القرضاوي
الناس في قضية المعجزات المحمدية المادية أصناف ثلاثة:
فالصنف الأول:
يبالغ في الإثبات، وسنده في ذلك ما حوته الكتب، أيًا كانت هذه الكتب: سواء كانت للمتقدمين أو المتأخرين، وسواء كانت تعنى بتمحيص الروايات أم لا تعنى، وسواء وافق ذلك الأصول أم خالفها، وسواء قبله المحققون من العلماء أم رفضوه. المهم أن يروى ذلك في كتاب وإن لم يعرف صاحبه، أو يذكر في قصيدة من قصائد المدائح النبوية، أو في قصة"مولد"التي يُتلى بعضها في شهر ربيع الأول من كل عام، أو نحو ذلك.
وهذه عقلية عامية لا تستحق أن تناقش، فالكتب فيها الغث والسمين، والمقبول والمردود، والصحيح والمختلق الموضوع.
وقد ابتليت ثقافتنا الدينية بهؤلاء المؤلفين الذين يتتبعون"الغرائب"و"يحشون"بها بطون الكتب، وإن خالفت صحيح المنقول، وصريح المعقول.
وبعض المؤلفين، لا يعنى بصحة ما يروي من هذه الأمور، على أساس أنها لا يترتب عليها حكم شرعي، من تحليل أو تحريم أو غير ذلك. ولهذا إذا رووا في الحلال والحرام تشددوا في الأسانيد، ونقدوا الرواة، ومحصوا المرويات. فأما إذا رووا في الفضائل والترغيب والترهيب. ومثلها المعجزات ونحوها، تساهلوا وتسامحوا.
ومؤلفون آخرون، كانوا يذكرون الروايات بأسانيدها فلان عن فلان عن فلان، ولكنهم لا يذكرون قيمة هذه الأسانيد: أهي صحيحة أم غير صحيحة؟ وما قيمة رواتها: أهم ثقات مقبولون أم ضعاف مجروحون، أم كذابون مردودون؟ معتمدين على أنهم إذا ذكروا السند فقد أبرءوا أنفسهم من التبعة، وخلوا من العهدة.
غير أن هذا كان صالحًا وكافيًا بالنسبة للعلماء في العصور الأولى، أما في العصور المتأخرة -وفي عصرنا خاصة- فلم يعد يعني ذكر السند شيئًا. وأصبح الناس يعتمدون على النقل من الكتب، دون أي نظر إلى السند.
وهذا هو موقف جمهرة الكتاب والمؤلفين في عصرنا، حين ينقلون من تاريخ الطبري، أو طبقات ابن سعد أو غيرها.
والصنف الثاني:
يبالغ في النفي والإنكار للمعجزات والآيات الحسية الكونية، وعمدته في ذلك: أن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم وهو الذي وقع به التحدي: أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله.
ولما طلب المشركون من الرسول بعض الآيات الكونية تصديقًا له، نزلت آيات القرآن تحمل الرفض القاطع لإجابة طلباتهم. كما في قوله تعالى: {وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء. ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه، قل: سبحان ربي، هل كنت إلا بشرًا رسولاً؟} (الإسراء: 90 - 93) .
وفي موضع آخر، ذكر المانع من إرسال الآيات الكونية التي يقترحونها فقال: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة، فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا} (الإسراء: 59) .
وفي سورة أخرى، رد على طلب الآيات بأن القرآن وحده كاف كل الكفاية ليكون آية لمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} (العنكبوت: 51) .