إذ دأب المتنورون اليهود، على العموم، على رؤية كل تمييز ضد الآخرين تمييزاً ضدهم. ولذلك وقفوا في الغالب ضد كل أشكال التمييز ضد الآخرين لأنهم كانوا يشعرون بأنهم من الطرف الضعيف. ولكن الحال تغير في العقود الأخيرة بعد"اكتشاف"الإرث الثقافي"المسيحي اليهودي"المشترك وغدا اليهود في أميركا على وجه الخصوص في موضع القوة.
ومهما يكن الحال فإن قسماً من"المستشرقين"الإسرائيليين الجدد صاروا يضعون أنفسهم في موضع التنظير على أوروبا في الميدان الأيديولوجي. وقد كتب مؤخرا في"يديعوت"غاي بخور أن قضية الرسوم الكاريكاتورية فندت الاعتقاد الشائع بأن الشرق الأوسط هو العنصر المبادر في"صراع الحضارات في كل ما يتعلق بالإسلام". ويرى أن الرأي القائل بأن سبب الصراع هو النزاع الإسرائيلي الفلسطيني قد"انقلب رأساً على عقب أمام أعيننا: تصادم الحضارات يندلع في أوروبا وأصداؤه الارتدادية تصل إلى الساحة الشرق أوسطية. وخط التماس المعروف لا يمر عبر إسرائيل فقط، وإنما في الأساس في غرب أوروبا. قلب الصراع ينتقل إلى باريس وكوبنهاغن".
ويؤمن بخور بأنه"لم يعد بالإمكان دفن الرأس في الرمل واتهام إسرائيل، كما حاول الأوروبيون في قمة ديربن عام 2001 آملين أن يقوم النمر الإسلامي بافتراس إسرائيل وليس هم". ويخلص إلى أن وجود إسرائيل بات يشكل للأوروبيين"ميزة"ديمغرافية.
ويرى يحيئاف نجار في"معاريف"أن الرسوم الكاريكاتورية ضد الإسلام لا يمكن مقارنتها بالرسوم الكاريكاتورية ضد السامية."فالرسوم الكاريكاتورية التي أمامنا لا تهدف إلى بث البغض للإسلام، ولا يلحظ أنها رسمت صدوراً عن توجه معاد للإسلام. صحيح أنها تنقد الإسلام لكن هذا نقد مناسب وشجاع". ويخلص نجار إلى أن"جوهر القضية أمامنا هو كيف تتصرف حضارة متقدمة مع حضارة متدنية. تمتاز الحضارة المتدنية باستعمال القوة، وتمتاز الحضارة المتقدمة بضبط النفس. وها نحن أولا رأينا كيف استعملت الرسوم الكاريكاتورية تشخيصاتها استعمالا دقيقا، مثلا ذلك الرسم الذي رسم فيه محمد وعلى رأسه قنبلة. ما هو رد العالم الإسلامي؟ استعمال القوة، وإحراق السفارات، واختطاف الأوروبيين ومقاطعة المنتجات وأشباه ذلك. وبإزاء ثقافة القوة، لا يحل الانسحاب إلى موقف شبه مشايع. الرد المناسب هو كرد أجهزة تحرير الصحف في فرنسا وألمانيا وهو الحرب. وكرد الاتحاد الأوروبي، وهو التهديد باستعمال مقاطعة الدول التي أزالت منتجات الدنمارك عن الرفوف فيها".
وقد عبرت افتتاحية"هآرتس"عن موقف"محايد"بعض الشيء بإصرارها في الوقت نفسه على إدانة الرسوم الكاريكاتورية وإحراق السفارات. وقالت الصحيفة انه رغم ذلك لا يمكن عدم تفهم"مشاعر الإهانة التي لحقت بالمسلمين في أرجاء العالم بما في ذلك مسلمو المناطق وإسرائيل. التنظير الغربي للتعددية الثقافية كقيمة عليا لا يمكن أن يُحمل على محمل الجد إذا لم يشمل في إطاره المتدينين والعلمانيين وأبناء الطوائف والأقليات الدينية من مسلمين ومسيحيين على حد سواء. لا يمكن لأي مجتمع أن يقف مكتوف الأيدي أمام نشر صور مُهينة لقيم مقدسة عند مجموعة في داخله".
حمود بن محسن الدعجاني