فهرس الكتاب

الصفحة 2491 من 3657

فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم وحقوقه (6 ) )

د.عدنان علي رضا النحوي

(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) [ الأحزاب: 57 ]

لقد اعتاد المجرمون في الأرض أن يحاربوا الحق والهدى بوسائل شتَّى . والهجوم على رسول الله وعلى الإسلام تاريخ طويل ابتدأ به كفار قريش ، وكان آخره ما حدث في الدنمارك حين نشرت إحدى صحفها صوراً مسيئة للرسول محمد ، وما تلا ذلك من أحداث كشفت حقيقة الحقد الدفين . ولكن مهما بذل المجرمون في هذا السبيل فإنه لا يُنقص من المنزلة العالية لمحمد عند الله وعند المؤمنين . وقد توعد الله المستهزئين ، وذلك بقوله سبحانه وتعالى:

( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ ) [ الحجر:95 ]

فقد كان نفر من قريش يستهزئون برسول الله فأهلكهم الله جميعاً ، وكذلك في الآية المذكورة أعلاه:

(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) [ الأحزاب: 57 ]

وعيد شديد يُنْزِل الله به عليهم اللعنة في الدنيا والآخرة ويعدُّ لهم عذاباً مهيناً، وكذلك آيات أخرى في هذا الصدد .

وحَسْبُ الرسول المصطفى أنْ مدحه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وأعلى ذكره في الأرض والسماء أبد الدهر ، ثناءً لم ينله أحد من خلقه . وتدافع الشعراء والمؤمنون يمدحون رسول الله مديحاً امتدَّ من حياة الرسول الكريم إلى يومنا هذا ، وما اجتمع لأحد من خلق الله أن ينال هذا المديح الممتد ولا جزءاً منه ، مديحاً أفرغ فيه المؤمنون شديد إيمانهم وعظيم حبِّهم وروائع بيانهم ، لتظلَّ أنشودة الدهر ، ولآلئ البيان .

ولعلَّ أول من بدأ بمدح رسول الله من الشعراء الأعشى الكبير ميمون ابن قيس في قصيدته التي مطلعها:

ألم تَغْتمِضْ عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم المسهَّدا

وقصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه حين تاب واعتذر وألقى بين يدي رسول الله قصيدته الرائعة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ مُتيمّ إثرها لم يُفْدَ مكبول

وأنا أعدُّ هذه القصيدة من روائع الأدب العالمي . واندفع بعض الصحابة الشعراء رضي الله عنهم يمدحون رسول الله يدافعون عنه أمام هجوم قريش كعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين . ولكن حسان بن ثابت كان أطولهم باعاً وأشدهم إيذاءً لقريش وشعرائها . وإنا لنجد في وصف أم معبد التي مسح رسول الله ضرع شاة خلَّفها الجهد ، فدرَّت لبناً روي منه الرسول وأبو بكر رضي الله عنه والذين معه ، نجد في وصفها لرسول الله قطعة أدبيَّة عالية ، تقول فيها:

"رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق .... ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلَّم سماه وعلاه البهاء ...."هذا البيان الرائع دفعه التأثَّر الصادق العميق حين رأت وجه النبوَّة دون أن تعرفه .

وتوالى الشعراء على مرِّ العصور يدفعون لآلئ قرائحهم وغنيّ بيانهم في مديح سيّد الخلق ، حتى لا يكاد يخلو عصر من أحد منهم . وقد جمع الشيخ يوسف سعيد النبهاني المتوفى سنة 1350ه كلَّ ما قيل في مدح الرسول الكريم في"المجموعة النبهانية ، في المدائح النبوية"في أربع مجلدات تضمُّ أكثر من ألف وخمسمائة صفحة . وجاء الشعراء في العصر الحديث يبدعون في هذا المديح مثل محمود سامي البارودي في قصيدته:"كشف الغمة في مدح سيد الأمة"في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتاً ، وأحمد محرم في ديوانه مجد الإسلام ، وشوقي في قصيدتيه البائية والهمزية . وشعراء كثيرون يضيق المجال عن ذكرهم في هذه الكلمة الموجزة .

ولم يقتصر مديح الرسول على المسلمين ، فإنَّ عدداً من الشعراء النصارى مدح الرسول المصطفى ، من مثل: إلياس قنصل ، والشاعر القروي رشيد سليم خوري ، ورشيد أيوب ، ورياض المعلوف ، وإلياس طعمة الذي أسلم وسمَّى نفسه الوليد . ولقد تشرَّفتُ بمديح سيد المرسلين بقصيدة بعنوان:"رسول الهدى"في سبعة وأربعين بيتاً أذكر هنا منها:

أَنْتَ مَعْنَى الوَفَاءِ: ذِكْرُكَ في الأَرْ

لا تَكادُ الشُّهُودُ تَملأ عَيْنَيْ

حَسْبُكَ المَدْحُ أَنْ تكون عَلَى خُلْ ... ... ضِ حميدٌ وفي السَّماءِ حَميدُ

ها فَيُغْضِي مِنَ الجَلاَل الشُّهُودُ

قٍ عَظيمٍ يُتْلَى بِهِ الكِتابُ المُجيدُ

فما بال بعض النصارى ، أو المنتسبين إلى رسالة عيسى عليه السلام ، بعد أن حرَّفوه وبدَّلوا وغيَّروا ، ما بالهم يحملون الأحقاد على الإسلام والمسلمين ، وعلى رسول الله . فلا تكاد تهدأ فتنة حتى تثور فتنة . وقد نبَّأنا الله في كتابه الحكيم أنه قد جعل لكل نبيّ عدوّاً من المجرمين ، من شياطين الإنس والجن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت