نايف ذوابه 22/6/1425
قبل خمسة عشر عامًا قرأت كتابًا عن الإسلام في إفريقيا صادرًا عن سلسلة دار المعرفة الكويتيّة، وقد أثلج صدري، وأبهج نفسي ما قرأته من صفَحَات مضيئة من جهاد المسلمين الأفارقة للحفاظ على هويّة القارّة الإسلاميّة في مِنطقة القرن الإفريقيّ التي شهدت معارك طاحنة مع القوّات الإيطاليّة وغيرها من قوّات الحلفاء في نهاية القرن التاسع عشر الميلاديّ.
ولقد كنت أقرأ صفَحَات الكتاب، وكلّما طويت صفحة كنت أشعر بالزّهو والفخر لهذا الكفاح العنيد، والجهاد الصادق الذي بذله إخوتي هناك للوقوف في وجه الاستعمار الغربي (الذي كان ينشد احتلال الأوطان والأدمغة ونهب الثروات) على قلّة إمكاناتهم، وضخامة إمكانات أعدائهم؛ لكنّهم أبدَوْا إرادة خلاقة تستحوذ على إعجاب من يتتبّع هذه الأحداث، وهذا ما شفى نفسي وأبرأ سُقْمها من أحداث أخرى كانت تدور رحاها في الشرق العربيّ؛ حيث وجد المستعمر الكافر ضالّته في نفر من المسلمين المغفّلين باعوا أنفسهم للهوى؛ كانوا ينتحرون سياسيًّا ويتعاونون مع المستعمر الكافر لدقّ آخر إسفين في نعش دولة الخلافة العثمانيّة التي كانت آخر من يمثل سلطان الإسلام ووجوده في الموقف الدّوليّ، والعلاقات الدوليّة . وكان ما كان؛ إذ لفظت دولة الخلافة العثمانيّة أنفاسها في نهاية الحرب العالميّة الأولى ، وتداعت عليها قوى الكفر، ووقعت المِنطقة بأسرها تحت هيمنة الكفار المستعمرين: فرنسيين وإنجليز بعد أنْ غيّبت أحداث الحرب العالميّة الأولى المسلمين عن الساحة الدوليّة ، وقامت بريطانيا وفرنسا باقتسام تركة الرجل المريض (الدولة العثمانيّة) وفق اتفاقيّة سايكس - بيكو المشؤومة، ثمّ وعد بلفور المشؤوم . وباء الذين تعاونوا مع الإنجليز بالخسران المبين؛ فلا هم حافظوا على ملكهم الذي كانوا عليه، ولا منحهم الإنجليز ما وعدوهم به.
لا أريد أنْ أخوض في تفاصيل الإطار التاريخيّ للأحداث السياسيّة وحسبي ما ذكرت لأعود ثانية إلى القارة"البيضاء"فتح الله علينا بها، والتي هي الآن ميدان الصراع الرّهيب بيننا وبين الغرب الذي يخشى من اكتساح الإسلام لهذه القارة والتي أقر المنصّرون"بأنّ الإسلام يلقى فيها الترحيب الحارّ"لكنّهم لم يسألوا أنفسهم: لماذا يلقى الإسلام الترحيب الحارّ من سكان القارّة الإفريقيّة كما في غيرها!
وقبل أنْ أستطرد في هذا الموضوع أعود للكتاب الذي قرأته فأتحدّث عن حادثة اهتزت لها نفسي، وخفق لها جناني، وجعلتني أكثر شموخًا وثقة بهذا الدين الذي أنتسب إليه. وهذه الحادثة كما يذكرها الكتاب تتلخّص في أنّ الإمبراطور الحبشيّ النّصرانيّ في تلك الحقبة من نهاية القرن التاسع عشر الميلاديّ هداه الله للإسلام؛ فجمع كبار رجال الدّين المسيحيّ من بطارقة وكرادلة وقساوسة... وصارحهم بما أصبح عليه من الإسلام، وحاجّهم ودعاهم إلى الإسلام، فما كان منهم إلا الرّفض، وعزموا على عزله وضحّى الإمبراطور المهتدي بمُلكه رغبة في الإسلام وقدّم مثلاً رائعًا في التضحية بالدنيا وما فيها حبًا في الله ومحبّة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذا المشهد النزيه الذي انقاد فيه الإمبراطور الحبشيّ لسلطان الحقّ الذي قاده إليه عقله ذكرّني بموقف جدّنا العظيم سعد بن معاذ رضي الله عنه حينما نما إليه أُناسٌ أنّ مصعب بن عمير يدعو للإسلام في المدينة ويفتن النّاس عن دين آبائهم وأجدادهم؛ فجاء سعد إلى مصعب مغضبًا وقال له: إنْ كان لك بنفسك حاجة يابن أخي فارحلْ عن هذا المكان ! فما كان من السّفير الداعية (مصعب) إلا أنْ قال له: أوَ تسمع؟ فإنْ سمعت ما تكره كففْنا عنك ما تكره .فقال سعد: أنصفت ! وركز حربته في الأرض، وجلس يستمع إلى كلام الله من مصعب، ولم يمنعه هوى، ولا كبر، ولا استخفاف بهذا الغريب من الإنصات لنداء العقل والحقّ، وسمع معاذٌ القرآن، وهل من عاقل يسمع القرآن، ولا يدرك أنّه حق ( إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) وما أن انتهى مصعب من قراءته حتى فعل القرآن فعله في سعد بن معاذ وسأل سعد مصعبًا: وماذا يفعل من يدخل في دينكم ؟ واغتسل سعد وتشهّد ودخل في دين الله، وكان إسلامه فتحا على الإسلام ، وعلى إثره قام الكيان الإسلاميّ في المدينة.