فهرس الكتاب

الصفحة 2750 من 3657

وهذا الموقف الإيجابي من سعد بن معاذ الذي استسلم لسلطان العقل، ولم يحجزه الهوى عن السّماع ثم الاتباع أقارنه بموقف أتذكره للجاسوس البريطاني"هنفر"الذي بعثته بريطانيا إلى إستانبول (ولم يزل حدثًا صغير السنّ، وإنّما أرادوا أنْ يتربّى في أحضان البلاد التي سيعمل فيها ليتعرّف على عادات القوم وأخلاقهم ، ودينهم، وتفاصيل حياتهم؛ ليسهل عليه انخراطه في مجتمعهم) ؛ وذلك للتجسّس على الدولة العثمانيّة وتقويض أركانها من الداخل. وقد لازم"هنفر"شيخًا تركيًّا كان يعمل نجارًا، وادّعى"هنفر"الإسلام، وأخذ يتعلّم الإسلام من الشيخ، وقد أُعجب"هنفر"بالإسلام وبالشيخ الذي تمثل الإسلام تمثّلاً صادقًا: استقامة، وأمانة، ورقة قلب، وحسن خلق. وبدأت نفسه تراوده أنْ يسلم حقيقة لا ادّعاءً ،ودخل مع هواه في صراع رهيب ، وكلّما عزم"هنفر"على الإسلام تذكّر المهمّة التي جاء من أجلها لخدمة التاج البريطانيّ، وهكذا انتصر الهوى وحال بينه وبين الإسلام ، وقد صدق من قال: إنّ الهوى من الهوان !

إنّ الإسلام عقيدة عقليّة، وهنا تكمن قوّة الإسلام؛ فهو يخاطب العقل، ويقنعه بخلاف المسيحيّة التي تتناقض مع العقل سواء في فكرة التثليث، أو فكرة الخلاص والفداء ،فضلا عن أنّ الفكرة الإسلاميّة تملأ القلب والفطرة طمأنينة؛ فيغدو المرْء معها مرتاح البال، هادئ النّفس، قرير العين وتتحوّل معه الحياة إلى سعادة دائمة.

أمّا الجانب الإنساني في الفكرة الإسلاميّة فكان مثالاً حيًّا جعلت الشعوب تستقبله، وتنصهر فيه، ثمّ تحمله من خلال جيوش الفتح الإسلاميّ.

ومن هنا فإنّ الإسلام فكر ديناميّ حي مؤثّر في النفوس، يهز العقول، ويوقظ العواطف النبيلة، ولا قِبل لأيّ فكر عرفته البشريّة أنْ يتحدّى الإسلام وقد أبدى المؤرخ البريطاني"أرنولد توينبي"ذهوله من الفترة القياسيّة التي استطاع فيها الإسلام الظهور؛ إذ تحدّى أكبر إمبراطوريتين في عصره بل وهزمهما وقهرهما وأقصاهما من الموقف الدولي حينئذ بعد معركتي اليرموك و القادسيّة أي بعد مضي قرابة خمسة عشر عامًا من قيام الدولة الإسلاميّة في المدينة.

والغرب يراقب المِنطقة عن كثب، وقد صبّ كل إمكانياته الاستخباراتيّة والعسكريًة للإحاطة بالمِنطقة، وضبط إيقاع الأحداث فيها و"نيسكون"أشار في كتابيه"نصر بلا حرب"و"الفرصة السانحة"إلى أنّ الإسلام سيصبح قوّة جيوبوليتيكيّة خطيرة، ولا سيّما مع التزايد السّكاني، والإمكانيّات الضخمة لبلاد المسلمين. وقد برّرت"مارغريت تاتشر"ضرورة استمرار وجود حلف الناتو بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لوجود الخطر الإسلاميّ.

بل إنّ أحد المحلّلين السياسيين في المِنطقة وهو"جورج طرابيشي"في حوار له مع قناة الجزيرة قبل نشوب الحرب الأخيرة لم يُخْف الغرض الرئيس من تصميم أمريكا على إسقاط نظام صدّام، وهو الخشية من وقوع العراق بأيدي أصوليّة، وأنّ صدّام و البعثيين ليسوا هم الخطر الحقيقيّ الذي تخشاه أمريكا، وإنّما القوى السياسيّة الإسلاميّة التي تعمل بدأب لاستلام السلطة في المِنطقة!

أمّا المشهد المذهل الذي سآتي عليه - وهو لا شكّ قد روّع المفكّرين والسياسيّين الغربيّين- فهو ذلك اللّقاء الذي أجرته قناة الشارقة الفضائيّة في رمضان الماضي مع سيّدة أمريكيّة مسلمة تحكي قصّة إسلامها فقالت: إنّها كانت مسيحيّة متديّنة، وكانت تحرص على تنشئة أبنائها على الدّين المسيحيّ لكن العقدة التي واجهتها في الدّيانة المسيحيّة كانت في فكرة التثليث التي لم يتقبلها عقلها، وظلّت تنتظر أجوبة لأسئلة كثيرة محيّرة لم تستطع الدّيانة المسيحيّة الإجابة عنها، وكانت تذهب إلى الغابات تتأمل قدرة الله في مخلوقاته، وقد قيّض الله لها بوساطة جيران لها ومعارف - مسلمًا عربيًا- أجابها عن أسئلتها التي تقلقها وتقضّ مضجعها؛ فشعرت بالرّاحة النفسيّة بعد ذلك، وأخذت تتعرّف على الإسلام، وتقرأ عنه حتى اطمأنّ قلبها للإسلام، فدخلت في دين الله، وخرجت من حياتها تاركة زوجها وأولادها الذين كانت تدعو لهم بالهداية.

لقد كنت أستمع لقصة إسلام هذه المرأة وأنا في غاية التأثر والنّشوة، لقد كنت أسمعها، وأشعر أنّها في غاية السعادة بعد أنْ هداها الله لنور الإسلام.

أما المشهد الأخير الذي سأختم به مقالي فهو ما عرضته قناة الشارقة أيضاً لمجموعة من الفتيان والفتيات الأوروبيّات ومن جنوب إفريقيا يتحدثون عن قصّة إسلامهم، وأعمارهم ما بين السادسة عشرة والحادية وعشرين، يهتدون للإسلام وهم في سن المراهقة. يا إلهي! الفتى أو الفتاة في هذه السنّ يبحث عن المتعة والشّهوة، وهؤلاء يبحثون عن الحقيقة التي لم يجدوها في ديانتهم المسيحيّة، ولا في حضارتهم الغربيّة الرأسماليّة. لا شك أنّ المفكرين الغربيّين تدهشهم هذه المشاهد، وتهزهم من الأعماق، وهم يدركون أنّ الفراغ الروحيّ والفكريّ الذي تعيشه مجتمعاتهم لا يملؤه إلا الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت