فهرس الكتاب

الصفحة 2006 من 3657

معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل عليهم السلام:

* قال القاضي أبو الفضل: قد أتينا في هذا الباب على نكت من معجزاته واضحة، وجمل من علامات نبوته مقنعة، في واحد منها الكفاية والغنية، وتركنا الكثير سوى ما ذكرنا، واقتصرنا من الأحاديث الطوال على عين الغرض وفص المقصد، ومن كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا يسيراً من غريبه مما ذكره مشاهير الأئمة، وحذفنا الإسناد في جمهورها، طلباً للاختصار. وبحسب هذا الباب لو تقصي أن يكون ديواناً جامعاً يشتمل على مجلدات عدة. ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين:

أحدهما: كثرتها، وأنه لم يؤت نبي معجزةً إلا وعند نبينا مثلها، أو ما هو أبلغ منها. وقد نبه الناس على ذلك، فإن أردته فتأمل فصول هذا الباب، ومعجزات من تقدم من الأنبياء ـ تقف على ذلك إن شاء الله تعالى. وأما كونها كثيرة فهذا القرآن، وكله معجز، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين سورة: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ، أو آية في قدرها.

وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة. وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة منه معجزة، وإن كانت من كلمة أو كلمتين.والحق ما ذكرناه أولاً، لقوله تعالى: (قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ) ، (يونس: 38) فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول بسطه. وإذا كان هذا ففي القرآن من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم، وعدد كلمات: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ *) عشر كلمات، فتجزؤ القرآن على نسبة عدد (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) أزيد من سبعة آلاف جزء، كل واحد منها معجز في نفسه. ثم إعجازه ـ كما تقدم ـ بوجهين: طريق بلاغته، وطريق نظمه، فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان، فتضاعف العدد من هذا الوجه. ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغيب، فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب، كل خبر منها بنفسه معجز، فتضاعف العدد كرة أخرى. ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب التضعيف، هذا في حق القرآن، فلا يكاد يأخذ العد معجزاته، ولا يحوي الحصر براهينه.

ثم الأحاديث الواردة، والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحواً من هذا.

الوجه الثاني: وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم، وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه.فلما كان موسى غاية علم أهله السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تُشبه ما يدعون قدرتهم عليه، فجاءهم منها ما خرق عادتهم، ولم يكن في قدرتهم، وأبطل سحرهم. وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب، وأوفر ما كان أهله، فجاءهم أمر لا يقدرون عليه، وأتاهم ما لم يحتسبوه من إحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص دون معالجة ولا طب. وهكذا سائر معجزات الأنبياء.

ثم إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، وجملة معارف العرب وعلومها أربعة: البلاغة، والشعر، والخبر، والكهانة، فأنزل عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة، والإيجاز، والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم، ومن النظم الغريب، والأسلوب العجيب الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقه، لا علموا في أساليب الأوزان منهجه، ومن الأخبار عن الكوائن والحوادث والأسرار والمخبآت والضمائر، فتوجد على ما كانت، ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه، وإن كان أ'عدى العدو. فأبطل الكهانة التي تصدق مرةً وتكذيب عشراً، ثم اجتثها من أصلها برجم الشهب، ورصد النجوم. وجاء من الأخبار عن القرون السالفة، وأنباء الأنبياء، والأمم البائدة، والحوادث الماضية ـ ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على الوجوه التي بسطناها و بينا المعجز فيها. ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى الفصول الأخر التي ذكرناها في معجزات القرآن ثابتةً إلى يوم القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتي، لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه، وتأمل وجوه إعجازه.

إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل، فلا يمر عصر ولا زمن إلا يظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر، فيتجدد الإيمان، ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان كما قيل. وللمشاهدة زيادة في اليقين، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين، وإن كان كل عندها حقاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت