وإلى أن يتحقق ذلك فإن أولي الأمر في هذه الأمة وعلماءها ومثقفيها مطالبون بجهد كبير وسعي حثيث لتصحيح علاقاتهم مع الله أولا ومع شعوبهم ثانيا، عن طريق الحوار الهادف البناء والمرونة في الطرح والتعامل والمشاركة الحقيقية لشعوبهم في آمالهم وآلامهم ليكونوا جزءا من الأمة وليس في أبراج عالية بعيدة عنها.
* نقلا عن صحيفة الشرق القطرية ببعض التصرف.
** الدكتور: عبد الستار إبراهيم الهيتي كاتب وأكاديمي عراقي.
الكاتب: شيخ سلمان بن فهد العودة
الناظر فيما يكتب اليوم في الإنترنت؛ يلحظ جرأة محمودة في الطرح والتناول للقضايا؛ تؤذن بانقراض زمن الصمت, وميلاد عصر المشاركة, والمصارحة, وحوار الآراء. وعلينا أن نتقبل هذا الواقع لاعتبارات كثيرة؛ من أهمهما: أنه يفضي إلى تكريس دور الفرد, وواجبه ومسئوليته، ويخفف في نهاية المطاف من الاحتقان والتوتر الناجم عن المصادرة والإلغاء، والقضاء على خصوصية الإنسان.
فمناخ الحرية المعتدل هو الأفضل لبناء أناس أسوياء راشدين معتدلين؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- متواضعًا, بعيدًا عن مؤاخذة الناس ومعاجلتهم. وما ضرب خادمًا ولا امرأة ولا أحدًا؛ إلا أن يضرب في سبيل الله. وقال له رجل: اعدل يا محمد؟ فقال:"ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل!"وانتهى الأمر عند هذا الحد!.
وقال آخر: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله!، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة الرجل؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر!".
وأنزل عليه ربه سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الأحزاب:1] ، وقوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاه) [الأحزاب: من الآية37] وقوله: ( وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: من الآية105] . وقوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) [عبس:2،1] . وقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى *وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى *وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [الضحى:8] . وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [الأنفال:67] .
ومن حوله كان المنافقون واليهود وضعفاء الإيمان من الأعراب وغيرهم..، فكان يتلو عليهم جميعًا هذا القرآن, وهم يتحفظونه ويقرؤونه في صلاتهم ومجامعهم؛ ولهذا اختار صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدًا رسولًا، فليس له سيماء الملوك, وأبهتهم في الهيبة المتكلفة, والوقار المفرط. وقد رآه أعرابي؛ فاضطرب! فقال صلى الله عليه وسلم:"هون عليك؛ إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد!".
ومن أكثر أصحابه هيبة وقوة (عمر بن الخطاب) . وفي خلافته كان يأتيه أبي بن كعب -من صغار الأنصار-؛ فيرد عليه في مسألة علمية, ويقول له: يا ابن الخطاب لا تكونن عذابًا على أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فيعتذر الخليفة, ويقول: خفي علي هذا من أمر رسول الله؟ ألهاني عنه الصفق في الأسواق!.
إن الرجوع إلى هذا النمط في العلاقة بين الناس- من العلماء, والمتعلمين, والعامة- ضرورة في هذا العالم المتغير.وإذا كنا في مرحلة توجب علينا تقبل هذا التنوع في المعالجة والنظر، وهذا التجديد في الرؤية لاعتبارات عديدة، منها: اعتبارات خارج إطارنا الإسلامي، من حيث الانفتاح العالمي والإعلامي والاقتصادي والسياسي، بحيث إن الدول بما تملكه من قدرات وإمكانيات أصبحت عاجزة عن مقاومة هذا الانفتاح أو صده، فكيف بغيرها؟!.وهذا قد يبدو كما لو أن الانفتاح كان أمرًا اضطراريًا لا خيار فيه من حيث الجملة.