فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 3657

لم يكن ميلاد محمد بن عبد الله العربي القرشي حدثا تاريخيا عابرا يمر عليه المؤرخون مرورا، وإنما مثّل من خلال نبوته ورسالته أبرز دعوات الإصلاح والتربية في دنيا البشرية على الإطلاق.

فقد استطاع أن يجعل من جزيرة العرب مصدر إشعاع فكري وثقافي وحضاري، قدمت الأمة من خلاله للعالم صياغة روحية ومادية حملت بين طياتها معالم البعد الرسالي لدعوة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.

حيث تمكن محمد -صلى الله عليه وسلم- من أن يتبوأ قمة الهرم ليكون على رأس المصلحين الذين كان لهم أثر بارز في توجيه البشرية نحو الفضيلة والرشاد، وفي هذا يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

المصلحون أصابع جمعت يدا***هي أنت بل أنت اليد العصماء

ففي ميدان الإصلاح العقائدي والفكري كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الفضل الكبير في ترسيخ معالم عقيدة التوحيد التي تعني إفراد العبودية لله تعالى ونبذ الشرك والوثنية والإطاحة بعبادة الأصنام لتخليص الفكر البشري من سفاهات العقائد الباطلة والترفع به عن عبادة البشر أو الحجر:

بك يا ابن عبد الله قامت سمحة

للحق من ملل الهدى غراء

بنيت على التوحيد وهو حقيقة

نادى بها سقراط والحكماء

نبذ التمايز الطبقي

وفي ميدان الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم- الباع الطويل في بناء نظرية اقتصادية ترعى الفقراء وتهتم بشئونهم وتحافظ على حقوقهم من أن يتعدى عليها المتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال، كما كان له الفضل الكبير في تحقيق العدالة والمساواة بعيدا عن التمايز الطبقي أو التفاوت الاجتماعي:

جاءت فوحّدت الزكاة سبيله

حتى التقى الكرماء والبخلاء

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى

فالكل في حق الحياة سواء

فلو أن إنسانا تخيّر ملّة

ما اختار إلا دينَك الفقراء

قيم وثوابت

أما السياسة والقيادة عند محمد -صلى الله عليه وسلم- فلها نمط آخر وصيغة متقدمة لم يستطع العالم الذي يعيش اليوم أوج حضارته وقمة تقدمه الحضاري أن يصل إلى ذلك النهج السوي من حيث الوضوح في الطرح، والصدق في التعامل، والأمانة في العهود، والعدل في الحكم؛ فمزج بذلك السياسة بالأخلاق والقيادة بالرحمة والإمارة بالمساواة، فتحقق بذلك حلم الفلاسفة القدماء وآمال المفكرين الحكماء:

والدين يسر والخلافة بيعة

والأمر شورى والحقوق قضاء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته

فجميع عهدك ذمة ووفاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب

هذان في الدنيا هما الرحماء

وعلى أساس هذه الثوابت شيّد"محمد النبي والرسول"قواعد حضارة عربية إسلامية، وبنى مجدا وعزا وعلما لا يزال العالم ينهل منه ويفيد من طروحاته ويرجع إليه عند اشتداد الأزمات واحتلاك الخطوب؛ فالمصدر رباني إلهي، والصياغة محمدية نبوية، وآلية التطبيق عربية إسلامية عاش العالم في ظلالها ردحا طويلا من الزمن ينعم بالأمن والأمان والخير والسلام.

فلا ظلم ولا طغيان، ولا انتهاك ولا عدوان؛ الجميع تحت مظلة القانون سواسية؛ فكلكم لآدم وآدم من تراب، فلا ميزة لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا فرق بين مسلم أو يهودي أو نصراني من حيث الحقوق والواجبات، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.

ومحمد -صلى الله عليه وسلم- يقول:"من آذى ذميا فأنا خصمه"رواه أبو داود، ويقول:"يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"رواه البخاري.

وهكذا قدم"محمد"برنامج عمل وصياغة قانونية لدولة العدل والتسامح والمساواة قبل أن يعرف العالم بوادر النهضة الحديثة وقبل أن تبرز طلائع الثورة الفرنسية التي يفخر الغرب بها وبطروحاتها حتى كان ميلاد محمد -صلى الله عليه وسلم- ميلاد أمة بكاملها؛ شيدت حضارة وأقامت دولة ونشرت في ربوع العالم العلم والمعرفة.

إذا كانت هذه هي المعاني السامية التي قدمها محمد للعالم كافة وللعرب والمسلمين خاصة، فإن الأمة اليوم مطالبة ببرمجتها على أرض الواقع وتقديمها كحلول ناجعة للخلاص من حالة الضياع والتشرذم الذي آلت إليه أحوالها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كان العامة من أبناء الأمة ملتزمين بالكثير من هذه المفاهيم والمعاني الكبيرة في علاقاتهم الدينية والأخلاقية، فإن خاصتها من المثقفين والسياسيين وأصحاب القرار يحتاجون إلى مراجعة حثيثة لأنفسهم ولخطواتهم ولقراراتهم؛ لتأتي متفقة مع الإرث الحضاري الذي خلفه محمد بن عبد الله لهذه الأمة ولتحظى بالمكانة السامية التي حظي بها أسلافنا يوم سادوا العالم وقدموا له أفضل برامج الحياة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت