فهرس الكتاب

الصفحة 2047 من 3657

فعلى كثرة ما اتهموه بأنه سحر ، أو شعر ، أو أساطير الأولين تملى على النبى صلى الله عليه وسلم بكرة وأصيلا لم يذكروا - قط - أن به أخطاء لغوية ، أو نحوية أو صرفية أو بيانية ، بل على العكس من ذلك نراهم أثنوا عليه على لسان الوليد بن المغيرة ، لما سمع من النبى صلى الله عليه وسلم الآيات الأولى من سورة"فصلت"حين نفى عنه كل عيب أو نقص في أساليبه ونظمه المحكم البديع ولو كان ما يؤخذه خصوم القرآن - الآن - من الشبهات التى نعرض لها - هنا - حقاً لبادروا بإعلانها ، ولاتخذوها حرباً ضروساً ضده. وسكوتهم المطبق عن ذكر عيوب من هذا القبيل تسليم منهم له بالسلامة من جميع الأخطاء ، وهذه هى عقيدة الأمة وكل العقلاء المنصفين ، وقد أشرنا من قبل إلى أن القرآن أوسع من قواعد اللغة وأسمى من أساليب البيان المعروفة عند البشر فإذا ورد فيه شىء على غير قاعدة نحوية أو صرفية معروفة لدى الناس ، فليس معناه أن القرآن قد أخطأ أو سها. لأن القرآن نفسه مصدر من مصادر إثبات اللغة في نفسها وفى طرق استعمالاتها.

فما جاء منه على ما نعرفه أو نألفه من القواعد فلا مشاحنة فيه. وما جاء على غير ذلك وجب الإيمان بصحته ، وعلينا أن نجتهد في التماس العلة فيه ، فإن أدركناها فالحمد لله وإلا فوضنا الأمر فيها لله ، كما هو في بعض المتشابهات القرآنية من الألفاظ والمعانى ، كما قال عز وجل: (هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) (2) .

وبعد هذه الوقفة الكاشفة الشافية نعود إلى ما قاله النحاة والمفسرون في توجيه مجىء الفعل المجزوم مردوفاً على الفعل المنصوب في الآية الكريمة ، التى اتخذ منها الذين في قلوبهم زيغ وسيلة للطعن في القرآن ، ابتغاء الفتنة:

وجّه الإمام الزمخشرى مجئ الفعل"وأكن"مجزوماً مردوفاً على الفعل المنصوب"فأصدق"بأن قوله تعالى"لولا أخرتنى.."فى محل جزم لتضمنه معنى الشرط ، فكأنه قيل: إن أخرتنى أصدقْ وأكن من الصالحين (3) .

وكذلك قال ابن عطية (4) ، وأبو على الفارسى (5) .

الخلاصة:

لم تكن هذه القراءة هى الوحيدة في جزم الفعل"أكن"فقد قرأه أبو عمرو"وأكون"بالنصب عطفاً على"فأصدق".

ونرى أن التوجيه بأن هذا الفعل مجزوم على تضمن عبارة التمنى"لولا أخرتنى إلى أجل قريب"أو على الشرط المقدر ب-"إن أخرتنى"هو توجيه سديد ، وقد سبق إلى القول به علمان من أئمة النحو ، هما الخليل وسيبويه (6) .

والذى سوَّغ إيثار عبارة التمنى"لولا أخرتنى"على الشرط الصريح"إن أخرتنى"أن قائل هذه العبارة يقولها في ساعة يملكه فيها اليأس من التأخير وهى ساعة حضور الموت ، والتمنى كما نعلم يستعمل في طلب المحال أو المتعذر ، أما الشرط فيستعمل في الأمور التى لا استحالة فيها ولا تعذر.

فهو إذن من تبادل الصيغ وإحلال بعضها محل بعض لداع بلاغى. وقرينة إرادة الشرط من عبارة التمنى هو جزم الفعل"أكن"وسره البلاغى أن من حضرته الوفاة وهو مقصر في طاعة الله تدفعه شدة الحاجة التى نزلت به إلى طمعٍ من نوع ما ، مما هو مستحيل أو متعذر الوقوع. ومما تقدم يظهر لنا استقامة العبارة القرآنية وبُعْدها عن كل خلل ، ووفاؤها بالمعنى المراد نحواً وبياناً.

(1) المنافقون: 10.

(2) آل عمران: 7.

(3) الكشاف (4/112) .

(4) المحرر الوجيز (16/23) .

(5) الحجة في القراءات (4/386) .

(6) حاشية الشهاب على البيضاوى (8/200) .

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) (1) .

ذكروا هذه الآية ، ووقفوا عند قوله تعالى: (الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ) (ذهب الله بنورهم (وعلقوا عليه قائلين: وكان يجب أن يجعل الضمير العائد على المفرد مفرداً ، فيقول:"استوقد ـ ذهب الله بنوره"!.

الرد على الشبهة:

هذه الآية مضروبة مثلاً لبيان حال المنافقين في تذبذب أحوالهم وتقلبهم في مواقفهم ، وانتهازهم الفرص السانحة لتحقيق أغراضهم الدنيوية. وعدم ثباتهم على مبدأ خلقى قويم ، وقد تقدم على هذه الآية آية أخرى تصف سعيهم الضال ، وإيثارهم منافع الدنيا العاجلة الفانية ، على ما عند الله ـ عز وجل ـ مقضياً عليهم بالخسران المبين ، وهى قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) (2) .

ثم استأنف القرآن الحديث عنهم فى: (مثلهم كمثل الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت