فهرس الكتاب

الصفحة 3066 من 3657

"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً" [112] .

صورة عجيبة تلك التي تتمثل في النفس من قراءة هذا الحديث.. صورة حية شاخصة موحية معبرة.

وإن هناك لجمالاً بديعاً في هذا التشبيه بالسفينة. فالحياة كلها هذه السفينة الماخرة في العباب، لا تكاد تسكن لحظة حتى تضطرب من جديد. ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد.

والمجتمع كله هذه السفينة.. يركب على ظهرها البر والفاجر، والمتيقظ والغفلان، وهي تحملهم جميعاً لوجهتهم.. ولكنها - وهي محكومة بالموج المضطرب والرياح من جانب، وما يريده لها الربان من جانب - لتتأثر بكل حركة تقع فيها، فتهتز مرة ذات اليمين وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الأفق أحياناً أو ترسب أحياناً إلى الأعماق..!

وإن كثيراً من الناس لينسى - في غمرته - هذه الحقيقة. ينسى سفينة المجتمع أو سفينة الحياة.

ينسى. فيخيل إليه أنه ثابت على البر، راكز راسخ لا يضطرب ولا يزول.

ومن أجل ذلك يفجر أو يطغى..

ولو تذكر من استكبر وطغى أنه ليس راكزاً على البر ؛ ليس دائماً في مكانه، ولا خالداً في سطوته، وإنما هي رحلة قصيرة على سفينة الحياة.. لو تذكر ذلك ما استكبر ولا طغى، ولا اغتر بقوته الزائلة عن الحقيقة الخالدة، ولعاد لمصدر القوة الحقيقية في هذا الكون، يستلهم منه الهدى، ويطلب منه الرشاد، ويسير على النهج الذي أمر به وارتضاه للناس.

ولو تذكر من يفجر وينحرف أنه ليس راكزاً على البر، وإنما هو منطلق على العباب.. وأن كل حركة يأتيها تتأثر بها السفينة فتهتز.. لو تذكر ذلك لما ترك نفسه لشهواته ولانحرافاته، ولعمل حساباً لكل خطوة يخطوها وكل حركة يتحركها حرصاً على نجاته هو ونجاة الآخرين..

ولكنها الغفلة السادرة التي تخيم على البشرية.. إلا من آمن واتقى وعرف ربه واهتدى إليه.

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدرك هذه الغفلة التي ترين على قلوب الناس، فيحذرهم منها، ويصورها لهم في صور شتى، من أعجبها أبلغها هذه الصورة التي يرسمها هذا الحديث، صورة السفينة الماخرة في العباب..

حين قال الإقطاعيون لأنفسهم: نملك الأرض وكل من عليها عبيد..

وحين قال الرأسماليون لأنفسهم: نملك المصانع والعمال فيها عبيد..

وحين قال الأباطرة المقدسون: نملك الملك والرعايا عبيد..

وحين قال غيرهم وغيرهم من الظالمين مثل قولتهم، لم تكن غير نتيجة واحدة في كل مرة، غرقت السفينة المخروقة، وغرق من عليها من سادة ومن عبيد!

وانظر في ثورات الأرض المزلزلة التي أطارت الرءوس وأجرت الدماء، وانظر إلى الحروب المدمرة التي تأكل الأخضر واليابس وتسمم الحياة، لم تكن غير نهاية طبيعية للخرق المخروق في السفينة، تتدفق عن طريقه المياه..

ويقوم شاب مفتون ينجرف في تيار الشهوات، يقول: من يحرِّجُ عليّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس!

يتركونه يفسق ويفجر، وينشر الفاحشة في المجتمع.

يتركونه خوفاً وطمعاً إن كان من زمرة السادة الأثرياء. أو يتركونه استصغاراً لشأنه واستهتاراً بعواقب الأمور.

وقد يقول في نفسه يبرر فجوره: وهل يمكن أن أؤثر في المجتمع وأنا شخص واحد مفرد الكيان؟ هل أنا إلا قطرة في الخضم؟ فلتكن قطرة سم! فكيف تفسد الخضم؟! هل قبلة في الهواء، أو ضمة مختلسة في الظلام، أو ساعة ممتعة في خلوة، هل هذه يمكن أن تؤثر في المجتمع وتهدم الأخلاق؟!

وإنه لينسى.. والساكتون عليه ينسون..

إنه يتصور نفسه شخصاً واحداً في المجتمع - قطرة واحدة في الخضم - وينسى والناس ينسون أن كل واحد يقول ذلك وهو يلقى القطرة السامة في الخضم.. ولا بد أن تتجمع في النهاية السموم.

بل قد يتبجح الفتى زيادة فيحدث نفسه أو يحدث الناس: وهل أنا وحدي الذي سأصلح المجتمع الفاسد؟ لقد فسد وانتهى الأمر. فهب أنني امتنعت وحدي عن الجريمة واحتملت وحدي اضطراب النفس واحتراق الأعصاب.. فأي جدوى من ذلك وأي نتيجة؟ أحترق في النهاية وحدي ويستمتع الآخرون..!

وقد يكون ذلك حقاً!

ولكنه لم يكن كذلك حين فجر أول فاجر وتركه الناس! حين خرق أول مفتون مكانه في السفينة فلم يأخذوا على يديه. حين ظن أول خارج على المجتمع والأخلاق والتقاليد أنه لن يضر الناس شيئاً، وأنه يخرق مكانه وهو حر فيه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت