فهرس الكتاب

الصفحة 3067 من 3657

وحين يصبح حقاً ما يقوله الفتى.. حين يكون المجتمع فاسداً إلى المدى الذي لا يصلحه امتناع فرد، ولا تؤثر فيه نظافة ضمير.. حين ذلك تصدق سنة الله وتصدق كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم .. ينهار المجتمع كله، وتغرق السفينة الطافحة بالمياه.

وتقوم فتاة مستهترة، تتقصع في مشيتها، وتتكسر في حديثها، وتعري ما يحلو لها من جسدها، وتتعرض للشباب تثير فتنة الجنس ونوازع الحيوان.. تقول: من يحرج عليَّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركها الناس!

وقد تقول لنفسها أو تقول للناس تبرر جريمتها: وأي شيء أصنع؟ هل أقتل نفسي كبتاً وأترهبن؟ أريد أن أنطلق. أريد أن أستمتع بالحياة. هذا حقي! كيف أناله؟ كيف أناله نظيفاً إذا أردت؟ أما ترون كل شيء حولي فسد واشتد به الفساد؟ فإن تطهرت فكيف أعيش؟ كيف أحصل على نصيبي المشروع من متعة القلب ومتعة الجسد ومتعة الحياة؟ وهل أنا التي أفسدت هؤلاء الشبان أم إنهم هم الفاسدون؟ إنهم حيوانات. إنهم ذئاب! إنهم هم يسعون إلى الصيد ويوقعون بكل غرة لا تعرف وسائل الذئاب. فلست بدعاً في المجتمع. ولن أصده أنا عن التيار!

وقد يكون في كلامها شيء من الحقيقة.

ولكنه لم يكن حقيقة يوم فجرت أول فتاة فتركها الناس. حين خرجت أول فتاة مستهترة عابثة تحطم التقاليد وتهزأ بالأخلاق.. يوم خرقت مكانها في السفينة وقالت هو مكاني ولن يضر غيري من الناس.

وحين يصبح ما تقول الفتاة حقاً.. حين يفسد المجتمع إلى المدى الذي تحس الفتاة النظيفة أنها لا تجد نصيبها المشروع من متعة الحياة.. حينئذ تتحقق سنة الله، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.

ويقوم كاتب يزين الفاحشة ويحسنها للناس، يقول: أنا حر فيما أكتب. أين حرية الرأي؟ أكتب ما بدا لي. وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس.

يتركونه يعيث في الأرض فساداً، وينشر السموم في النفوس. يستهترون بأمره، أو يشغلون عنه في زحمة الحياة. ويهزون أكتافهم يقولون: هل نحن به مكلفون؟

ويستفيد ذلك الكاتب.. يستفيد شهرة وثراء، ونفوذاً في بعض الأوساط. ولا عجب في ذلك فتجار المخدرات وتجار الأعراض يصلون إلى الشهرة وإلى الثراء.

ويغري النجاح غيره من الكتاب فينغمسون في تيار الجريمة، ويقولون إنهم تقدميون. يقومون برسالة مقدسة، رسالة القضاء على التقاليد"البالية"والتحضير لمجتمع جديد.

وقد يتبجح كاتب أو صاحب صحيفة يبرر الجريمة لنفسه، أو يبررها للناس.. يقول: ماذا أصنع؟ لقد تسمم الجو كله وصار القراء لا يقبلون على الأدب"الأبيض"والكلام النظيف. لقد تعودوا على الصحف العارية والقصص العارية، والأفكار العارية. ولم يعد يؤثر فيهم غير هذا اللون من الإنتاج. هب أنني أصدرت صحيفة نظيفة فكيف تعيش؟ من يقرؤها؟ كيف تغطى نفقاتها؟ ألا يكون ذلك انتحاراً؟ أو غفلة؟ أو جنوناً لا يقدم عليه عاقل؟ وماذا يصنع كاتب واحد أو صحيفة واحدة في التيار المسموم؟ هل يصنع إلا أن يفشل ويثير بفشله شماتة الشامتين؟!

وقد يكون هذا حقاً!

ولكنه لم يكن كذلك حين خرج أول كاتب يدعو إلى الفاحشة وتركه الناس. يوم هزوا أكتافهم وقالوا: هل نحن به مكلفون؟

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد.. يوم يصبح الكاتب النظيف لا يجد الجمهور الذي يقرؤه أو الصحيفة التي تنشر له.. يوم لا تستطيع الصحيفة النظيفة أن تعيش.. يومئذ تكون السفينة قد أثقلت بما فيها من الماء، واضطربت مما فيها من الخروق.. وتتحقق سنة الله في الأرض، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.

ويقوم والد ضعيف الشخصية تحكمه امرأته، أو يحكمه الترف والاسترخاء.. يترك أولاده يعيثون بلا رقابة، يقول: هم أولادي وأنا حر فيهم! أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.

ويتركه الناس.. يتركونه تملقاً، أو يتركونه استخفافاً، يقولون: هو في النهاية الخاسر، وما لنا عليه من سبيل.

ويستمتع الأولاد.. يستمتعون بالتحلل من الضوابط والانفلات من القيود.

ويستمتعون بلذة الهبوط!

وهي لا شك متعة للمزاج المنحرف والكيان المقلوب! فمن الثابت أن الكيان الناقص - حين لا يكمّل بالطريق الصالح، ولا يوجه التوجيه السليم - يجنح إلى التكملة من طريق هابط، ويحس"بالنضوج""والتميز""والمتعة"من هذا الطريق!

وهذه المتعة تغري غيرهم من الأولاد فينجرفون في الطريق.. يجدون اللذة المنشودة، والنضوج المنحرف، والتميز بين الأقران.. ويروحون يتمردون على أهليهم وينفلتون من القيود.

ويقول الولد لأبيه: أنت رجعي. أنت متأخر. أنت تتجاوز حدودك. من تظنني أمامك. لست طفلاً. أنا رجل مثلك. أنا أتحمل مسئولية نفسي. تريد أن تستعبدني بما تنفق عليَّ؟ كلا! إنك ملزم بالإنفاق. ولكنك لا تملك التدخل في شئوني. أنا أدرى بما يضر وما ينفع. أنا أعيش بعقلية جديدة متحررة متطورة. أنا أفهم ما يدور في المجتمع وأتطلع إلى المستقبل.. إلى الأمام.. فليس لك عليَّ سلطان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت