فهرس الكتاب

الصفحة 1936 من 3657

وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون معجزة محمد صلى الله عليه وسلم معجزة عقلية أدبية، لا حسية مادية، وذلك لتكون أليق بالبشرية بعد أن تجاوزت مراحل طفولتها، ولتكون أليق بطبيعة الرسالة الخاتمة الخالدة. فالمعجزات الحسية تنتهي بمجرد وقوعها. أما العقلية فتبقى.

وقد أيد ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".

ويبدو لي أن مما دفع هذا الصنف إلى هذا الموقف أمرين:

أولاً: افتتان الناس في عصرنا بالعلوم الكونية، القائمة على ثبات الأسباب، ولزوم تأثيرها في مسبباتها، حتى ظن بعض الناس أنه لزوم عقلي لا يتخلف في حال، فالنار لا بد أن تحرق، والسكين لا بد أن تقطع، والجماد لا يمكن أن ينقلب إلى حيوان، والميت لا يمكن أن يرجع إلى الحياة... إلخ.

الثاني: غلو الصنف الأول في إثبات الخوارق، بالحق والباطل، إلى حد يكاد يلغي قانون الأسباب والسنن، التي أقام الله عليها هذا العالم. وكثيرًا ما يقاوم الغلو بغلو مثله.

الصنف الثالث:

هنا يظهر الرأي الوسط بين المبالغين في الإثبات، والمغالين في الإنكار. وهو الرأي الذي أرجحه وأتبناه.

وخلاصة هذا الرأي:

1-أن القرآن الكريم هو الآية الكبرى والمعجزة الأولى لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي تحدى به العرب خاصة، والخلق عامة. وبه تميزت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من النبوات السابقة، فالدليل على صدق نبوته هو نفس موضوع رسالته؛ وهو كتابه المعجز بهدايته وبعلومه، وبإعجازه اللفظي والمعنوي، وبإتيانه بالغيب: ماضيه وحاضره ومستقبله.

2-أن الله تعالى أكرم خاتم رسله بآيات كونية جمة، وخوارق حسية عديدة، ولكن لم يقصد بها التحدي، أعني إقامة الحجة.

بها على صدق نبوته ورسالته. بل كانت تكريمًا من الله له، أو رحمة منه تعالى به، وتأييدًا له، وعناية به وبمن آمن معه في الشدائد؛ فلم تحدث هذه الخوارق استجابة لطلب الكافرين، بل رحمة وكرامة من الله لرسوله والمؤمنين، وذلك مثل"الإسراء"الذي ثبت بصريح القرآن، والمعراج الذي أشار إليه القرآن، وجاءت به الأحاديث الصحيحة، ونزول الملائكة تثبيتًا ونصرة للذين آمنوا في غزوة بدر، وإنزال الأمطار لإسقائهم فيها وتطهيرهم، وتثبيت أقدامهم، على حين لم يصب المشركين من ذلك شيء وهم بالقرب منهم. وحماية الله لرسوله وصاحبه في الغار يوم الهجرة، رغم وصول المشركين إليه، حتى لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآهما، وغير ذلك مما هو ثابت بنص القرآن الكريم.

ومثل ذلك إشباع العدد الكثير من الطعام القليل في غزوة الأحزاب، وفي غزوة تبوك.

3-إننا لا نثبت من هذا النوع من الخوارق إلا ما نطق به القرآن، أو جاءت به السنة الصحيحة الثابتة. وما عدا ذلك مما انتفخت به بطون الكتب، فلا نقبله، ولا نعبأ به.

فمن الصحيح الثابت:

(أ) ما رواه جماعة من الصحابة من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم أول الأمر، فلما صنع له المنبر، وقام عليه للخطبة، سمع للجذع صوت كحنين الناقة إلى ولدها. فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت.

قال العلامة تاج الدين السبكي: حنين الجذع متواتر؛ لأنه ورد عن جماعة من الصحابة، إلى نحو العشرين، من طرق صحيحة كثيرة تفيد القطع بوقوعه. وكذلك قال القاضي عياض في الشفاء: إنه متواتر.

(ب) ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد عن جماعة من الصحابة، من إفاضة الماء بغير الطرق المعتادة، وذلك في غزواته وأسفاره صلى الله عليه وسلم مثل غزوة الحديبية، وغزوة تبوك وغيرهما.

روى الشيخان عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بالزوراء فدعا بقدح فيه ماء، فوضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، وأطراف أصابعه، فتوضأ أصحابه به جميعًا.

وروى البخاري عن البراء بن عازب أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أربع عشرة مائة (أي 1400) ، وأنهم نزحوا بئر الحديبية فلم يتركوا فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسالم فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صبه فيها. قال: فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا (سقتنا وروتنا) ماشيتنا نحن وركابنا.

والأحاديث في إجراء الماء له صلى الله عليه وسلم كثيرة مستفيضة، ومروية بأصح الطرق.

(جـ) ما حفلت به كتب السنة من استجابة الله تعالى لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع يصعب حصرها، مثل دعائه بإنزال المطر. ودعائه يوم بدر بالنصر، ودعائه لابن عباس بالفقه في الدين، ودعائه لأنس بكثرة الولد، وطول العمر، ودعائه على بعض من آذاه... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت