هذا ، وقد قلنا من قبل إن القرآن غير مفتقر إلى شواهد من خارجه على صحة أساليبه ، ومع هذا فإن ورود هذه الشواهد نرحب به ولا نقلل من شأنه ، ومنهم من جعل"المقيمين"مجروراً لا منصوباً ، وقال إن جره لأنه معطوف على الضمير المجرور محلاً فى"منهم"والمعنى على هذا:
لكن الراسخون منهم والمقيمين الصلاة.
وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على الكاف فى"أنزل إليك"وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على"ما"فى"بما أنزل إليك".
أو هو مجرور بالعطف على"الكاف"فى"قبلك" (6) .
والخلاصة:
إن الذى ينبغى الركون إليه ـ لقوته ـ هو الرأى الأول ، المنسوب إلى سيبويه وأبى البقاء العكبرى والزمخشرى وابن عطية ، أما ما عداه من آراء فلا تخلو من التكلف أو الضعف.
أما النصب على الاختصاص فلا مناص من قبوله ؛ لأنه أسلوب شائع في الاستعمال اللغوى العربى ، وفيه من البلاغة أمر زائد على مجرد التوجيه النحوى ، الذى لا يتجاوز بيان عامل النصب أو الجر.
الثانية:
قوله تعالى: (.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) (7) .
وشاهدهم على هذه الشبهة هو قوله سبحانه:"والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس"لأنه جاء منصوباً بـ"الياء"بعد قوله تعالى:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا".
وكان يجب أن يرفع المعطوف ـ يعنى: الصابرين ـ على المرفوع ـ يعنى: الموفون ـ فيقول: والموفون والصابرون"، هذا قولهم."
الرد على الشبهة:
يُحسن بنا أولاً أن نذكر هذه الآية بتمامها لننظر فيها نظرة جُملية قبل مواجهة ما آثاره الخصوم حولها:
(1) (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) .
(2) (وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب) .
(3) (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) .
(4) (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) .
(5) (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) .
ترى أننا وزعنا كلمات هذه السورة على وحدات كل وحدة منها تضم معانى وقيماً متجانسة.
الوحدة الأولى: قيم إيمانية تنتظم تحت مفهوم العقيدة وهى: الإيمان بالله ، وباليوم الآخر ، وبالملائكة ، وبالوحى ، ثم بالأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم .
والوحدة الثانية: تنتظم عناصرها تحت مبدأ"الإنفاق المالى الحر (غير الزكاة) ويبين الله فيها الصفات التى تتحقق في المنفق عليه ، وهم:"
-ذوو القربى من النسب.
-اليتامى مهما تباعدت صلتهم عن المنفق.
-المساكين ، الذين ليس لهم مصدر رزق كسبى ، إما لعدم وجود عمل ، أو لعجز عنه.
-الغرباء الذين تعوزهم الحاجة في السفر ، وليس معهم مال وإن كانوا أغنياء في بلادهم.
-المحتاجون ـ حقاً ـ الذين يستعطفون الناس لسد حاجتهم في غير معصية.
-عتق الرقاب من الرق ، إما تطوعاً ، أو كاتب السيد عبده على مقدار من المال ليصير حراً.
والوحدة الثالثة: يندرج عنصراها: الصلاة والزكاة تحت ركنين عمليين من أركان الإسلام ، والزكاة إنفاق واجب ، وليس حراً.
والوحدة الرابعة: هى حسن المعاملة مع الناس بوفاء الوعد العهد.
والوحدة الخامسة: تنتظم عناصرها تحت مبدأ الصبر الجميل في كل عمل خير يؤديه المكلف ، وبخاصة في الشدائد والمحن وملاقاة العدو.
أما الوحدة السادسة: فهى بيان فضل هؤلاء المذكورين في الآية ، وبخاصة ما ذكر قبل الفاصلة مباشرة ، ومنزلتهم عند الله:
"أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".
وإذا تأملت هذه الوحدات ، وعناصرها المندرجة تحتها ، وجدت أن أشدها وقعاً على النفس ، وأكثرها أعباء ، وأشقها كلفة ، هى الصبر في المحن والشدائد والأخطار ، وبخاصة في ملاقاة العدو ، والتعرض لزحفه وسلاحه ، وقد يفضى بالإنسان إما إلى حدوث عاهات مؤلمة في الجسم ، وإما إلى الموت. فالمقاتل في ساحات الكر والفر إنما يصارع الموت ، ومقدمات الموت.
ولهذا جاء إعراب"الصابرين"مخالفاً لإعراب ما قبلها ، ليلفت الله أذهان العباد إلى أهمية الصبر في هذه المجالات ، وهذا الإعراب المخالف لما قبله يفيد مع تركيز الانتباه ، وتوفير العناية بتأمُّل هذا الخلق العظيم ، يفيد أمراً آخر مبهجاً للنفوس ، هو مدح هؤلاء الصابرين شديدى العزيمة ، قويى الاحتمال.
فانظر إلى نفائس هذه المعانى ، التى دل عليها نصب"الصابرين"مع كون ما قبله مرفوعاً. إنها بلاغة القرآن المعجز ، وعبقرية اللغة العربية لغة التنزيل الحكيم.
وهذا الإعراب المخالف لإعراب ما قبله ، هو الذى يسميه النحاة واللغويون بـ"القطع"كما تقدم في نظيريه في هذه الدراسة ، إما للمدح كما في هذه الآية ، وآية النساء"والمقيمين الصلاة"وقد تقدمت.