ومع إيجازه في عبارته كان حكيماً فيها ، ومن الطريف في كلامه إشارته إلى خطأ من يقول إن نصب"المقيمين"لحن في خط المصحف ـ لا سمح الله ـ ثم وصفه بالجهل بمذاهب العرب في البيان ، والتفنن في الأساليب ، وكأنه ـ رحمه الله ـ يتصدى للرد على هؤلاء الطاعنين في القرآن ، الذين نرد عليهم في هذه الرسالة.
والرأى الذى اقتصر عليه الإمام الزمخشرى هو المشهور عند النحاة والمفسرين والقراء.
وقد سبق الزمخشرى في هذا التوجيه شيخ النحاة سيبويه وأبو البقاء العكبرى (4) .
وهذا الاختصاص أو القطع بيان لفضل الصلاة التى جعلها الله على الناس كتاباً موقوتاً ، وأمر عباده بإقامتها والمحافظة عليها في كثير من آيات الكتاب العزيز ومثَّلها رسوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في صحيحى البخارى ومسلم ـ بالنهر ، الذى يستحم فيه المكلف في اليوم خمس مرات ، فيزيل كل ما علق بجسمه من الأدران والأوساخ ، وكذلك الصلوات الخمس فإنها تمحو الخطايا ، وتزيل المعاصى كما يزيل الماء أدران الأجسام.
أما الآراء الأخرى فكثيرة ، ولكنها لا تبلغ من القوة والشيوع ما بلغه هذا الرأى ، وهو النصب على الاختصاص أو القطع.
وقد أوردوا عليه شواهد عدة من الشعر العربى المحتج به لغوياً ونحوياً. ومن ذلك ما أورده سيبويه:
ويأوى إلى نسوة عُطَّلٍ وشُعْثاً مراضيع مثل الثعالى ومنها قول الخرنق بنت هفان:
لا يبعدنْ قومى الذين همو سًمُّ العداة وآفة الجزْر النازلين بكل معتركٍ والطيبون معاقد الأُزْر (5) والشاهد في هذه الأبيات ، نصب"شُعثا"فى البيتين الأوليين وهو معطوف على مجرور"عُطَّلٍ".
والشاهد في البيتين الآخرين نصب"النازلين"وهو معطوف على مرفوع ، وهو"سمُّ العداة".
هذا ، وقد قلنا من قبل إن القرآن غير مفتقر إلى شواهد من خارجه على صحة أساليبه ، ومع هذا فإن ورود هذه الشواهد نرحب به ولا نقلل من شأنه ، ومنهم من جعل"المقيمين"مجروراً لا منصوباً ، وقال إن جره لأنه معطوف على الضمير المجرور محلاً فى"منهم"والمعنى على هذا:
لكن الراسخون منهم والمقيمين الصلاة.
وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على الكاف فى"أنزل إليك"وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على"ما"فى"بما أنزل إليك".
أو هو مجرور بالعطف على"الكاف"فى"قبلك" (6) .
والخلاصة:
إن الذى ينبغى الركون إليه ـ لقوته ـ هو الرأى الأول ، المنسوب إلى سيبويه وأبى البقاء العكبرى والزمخشرى وابن عطية ، أما ما عداه من آراء فلا تخلو من التكلف أو الضعف.
أما النصب على الاختصاص فلا مناص من قبوله ؛ لأنه أسلوب شائع في الاستعمال اللغوى العربى ، وفيه من البلاغة أمر زائد على مجرد التوجيه النحوى ، الذى لا يتجاوز بيان عامل النصب أو الجر.
الثانية:
قوله تعالى: (.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) (7) .
وشاهدهم على هذه الشبهة هو قوله سبحانه:"والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس"لأنه جاء منصوباً بـ"الياء"بعد قوله تعالى:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا".
وكان يجب أن يرفع المعطوف ـ يعنى: الصابرين ـ على المرفوع ـ يعنى: الموفون ـ فيقول: والموفون والصابرون"، هذا قولهم."
الرد على الشبهة:
يُحسن بنا أولاً أن نذكر هذه الآية بتمامها لننظر فيها نظرة جُملية قبل مواجهة ما آثاره الخصوم حولها:
(1) (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) .
(2) (وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب) .
(3) (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) .
(4) (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) .
(5) (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) .
ترى أننا وزعنا كلمات هذه السورة على وحدات كل وحدة منها تضم معانى وقيماً متجانسة.
الوحدة الأولى: قيم إيمانية تنتظم تحت مفهوم العقيدة وهى: الإيمان بالله ، وباليوم الآخر ، وبالملائكة ، وبالوحى ، ثم بالأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم .
والوحدة الثانية: تنتظم عناصرها تحت مبدأ"الإنفاق المالى الحر (غير الزكاة) ويبين الله فيها الصفات التى تتحقق في المنفق عليه ، وهم:"
-ذوو القربى من النسب.
-اليتامى مهما تباعدت صلتهم عن المنفق.
-المساكين ، الذين ليس لهم مصدر رزق كسبى ، إما لعدم وجود عمل ، أو لعجز عنه.
-الغرباء الذين تعوزهم الحاجة في السفر ، وليس معهم مال وإن كانوا أغنياء في بلادهم.
-المحتاجون ـ حقاً ـ الذين يستعطفون الناس لسد حاجتهم في غير معصية.
-عتق الرقاب من الرق ، إما تطوعاً ، أو كاتب السيد عبده على مقدار من المال ليصير حراً.
والوحدة الثالثة: يندرج عنصراها: الصلاة والزكاة تحت ركنين عمليين من أركان الإسلام ، والزكاة إنفاق واجب ، وليس حراً.
والوحدة الرابعة: هى حسن المعاملة مع الناس بوفاء الوعد العهد.