فهرس الكتاب

الصفحة 3489 من 3657

حين علم بالأمر الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور اكمل الدين احسان أوغلو، فإنه وجه خطابات إلى رئيس وزراء الدنمارك والمسئولين في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي دعاهم فيها إلى التدخل لوقف حملة الكراهية ضد المسلمين، واتخاذ موقف حازم إزاء الإهانات التي توجه ضد نبيهم، وكان محور الردود التي تلقاها ـ خصوصاً من رئيس الوزراء الدنماركي ـ أن قضية حرية التعبير تمثل ركناً أساسياً في الديمقراطية الدنماركية، الأمر الذي اعتبر رفضاً لاتخاذ موقف إزاء الحملة، في الوقت ذاته تحرك سفراء الدول الإسلامية في جنيف، وقدموا شكوى إلى مفوضية حقوق الإنسان في العاصمة السويسرية، اعتبروا فيها موقف الصحيفة الدنماركية محرضاً على العنصرية والكراهية للمسلمين، فقررت المفوضية تحري الأمر وإعداد تقارير عن الموضوع يفترض أن ينتهي إعدادها يوم 24 من الشهر الحالي.

أدرجت المسألة ضمن جدول أعمال القمة الإسلامية التي عقدت في مكة في السابع من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبناء على ذلك عبرت إحدى توصيات المؤتمر عن القلق إزاء الحملات الإعلامية المسيئة إلى الإسلام ونبي المسلمين، وأشارت إلى مسؤولية جميع الحكومات عن ضمان احترام الديانات المختلفة، وعدم جواز التذرع بحرية التعبير للإساءة إلى الأديان والمقدسات.

بعد ثلاثة أشهر من التجاهل والصمت، وفي أعقاب التفجيرات التي حدثت في لندن، علق على قضية الرسوم الكاريكاتورية المفوض العدلي بالاتحاد الأوروبي فرانكو فراتيني، قائلاً إن نشرها لم يكن تصرفاً حكيماً، باعتبار أنه من شأن ذلك أن يشيع الكراهية ويشجع على التطرف في أوروبا.

بينما الرسائل يتم تبادلها بين الأطراف المختلفة، انتقد 22 سفيراً دنماركياً، أغلبهم عملوا في البلاد العربية موقف حكومة بلادهم من المسألة، وقام وفد من مسلمي الدنمارك يمثلون 21 مركزاً إسلامياً ومنظمة بزيارة إلى القاهرة، التقوا خلالها شيخ الأزهر والأمين العام لجامعة الدول العربية، وانتقد وزراء خارجية الدول العربية سلبية الحكومة الدنماركية إزاء الإهانة التي لحقت بنبي الإسلام، ووجد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أنه لا مفر من اتخاذ موقف عملي يوصل رسالة الاحتجاج والغضب إلى حكومة الدنمارك، التي تعاملت مع الحدث بقدر لافت للنظر من عدم الاكتراث واللامبالاة، ولذلك قرر إعلان مقاطعة المنظمة لمشروع دنماركي، يتمثل في إقامة معرض كبير تحت عنوان «انطباعات عن الشرق الأوسط» تغطي حكومة كوبنهاجن جزءاً من تكاليفه، ويفترض أن تسهم الدول العربية (الخليجية) في تغطية بقية النفقات، وبعث الدكتور اكمل الدين أوغلو رسالة بهذا المعنى إلى الجهة المعنية في كوبنهاجن، أبلغها فيها بأن منظمة المؤتمر الإسلامي طلبت من كل الأعضاء مقاطعة المشروع، احتجاجاً على موقف بلادهم الرسمي من إهانة نبي الإسلام.

أخيراً، في أعقاب كل تلك التطورات، تطرق رئيس وزراء الدنمارك إلى الموضوع في بيان رأس السنة الميلادية، الذي بثه التلفزيون قال فيه إن حكومته تدين أي تعبير أو تصرف يسيء إلى مشاعر أية جماعة من الناس، استناداً إلى خلفياتهم الدينية أو العرقية، وبهذه الإشارة المخففة، تصور الرسميون في كوبنهاجن أنه تمت تسوية الأمر، في الوقت الذي بدا فيه لكل ذي حس سليم أن الجرح أكبر وأعمق بكثير من أن يداوى بكلمات عامة وخجولة من ذلك القبيل.

من ناحية أخرى، كانت بعض المنظمات الإسلامية في الدنمارك قد رفعت قضية ضد الصحيفة التي تبنت الإساءة البذيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن المدعي العام رفض القضية معتبراً أن نشر الرسوم الكاريكاتورية تم في إطار حرية التعبير التي يحميها القانون، وفي حين اختص رئيس تحرير صحيفة «يولاندز بوسطن» بالقرار، فإن صدوره شجع صحيفة مسيحية محافظة أخرى في الترويج «مجازينت» على إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية الاثني عشر، ومن ثم الترويج لحملة السخرية البذيئة من نبي المسلمين ودينهم.

ولا يزال الملف مفتوحاً، حيث قدم مسلمو الدنمارك طعناً في قرار المدعي العام، وثمة مشاورات حول الموضوع ما زالت جارية بين ممثلي الدول الإسلامية في جنيف ولدى منظمة اليونيسكو، وليس معروفاً بعد كيف سيكون موقف ممثلي تلك الدول من المسألة.

إن ما يثير دهشتنا واستياءنا ليس فقط أن يتطاول شخص أو منبر إعلامي على نبي الإسلام ومقدسات المسلمين، فالمتعصبون والموتورون والحاقدون والمغرضون، موجودون في كل مجتمع، وهم كثر في الغرب، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالشأن الإسلامي، ومن أسف أن أصوات هؤلاء طغت على أصوات العقلاء والمنصفين من مثقفي الغرب، لكن ما يثير الدهشة والاستياء أيضاً وبدرجة أكبر هو مسلك الحكومة والقضاء في الدنمارك، حيث يفترض أن تتنزه مواقفهما عن الهوى والغرض، وأن يكون تعبيرهما أكثر التزاماً بمعايير الإنصاف وبمقتضيات المصلحة العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت