( د ) كل الغزوات والسرايا التي كانت قبل غزوة بدر الكبرى، بل حتى غزوة بدر ذاتها كان المقصد منها اعتراض قوافل قريش التجارية وأخذ أموالها وحصارها اقتصادياً، فسرية حمزة إلى (سِيف البحر) ، وسرية سعد بن أبي وقاص إلى (الخرّار) ، وغزوة الأبواء (ودّان) وسرية عبيدة بن الحارث إلى (رابغ) ، وغزوة (بُواط) ، وسرية عبدالله بن جحش إلى (نخلة) ، وغزوة (العُشَيرة) التي أفلت فيها أبوسفيان بالقافلة في ذهابه إلى الشام، وهي القافلة ذاتها التي خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) يريدها حين عادت نادباً إليها أصحابه قائلاً:"هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفّلكموها"، لكنها أفلتت فكانت غزوة بدر الكبرى !
فكل تلك الغزوات والسرايا كان هدفها الأول هو الحصار الاقتصادي واعتراض القوافل وقطع تجارة قريش، إضعافاً للعدو وكسراً لشوكته... وهل المقاطعة الاقتصادية إلا من هذا الباب ؟
( هـ) قصة ثمامة بن أثال (رضي الله عنه) لمّا أسلم، فقطع تجارة الحنطة عن قريش التي كانت تأتيهم من قِبَله من اليمامة، وأقسم لهم:"ولا والله لايأتيكم من اليمامة حبّةُ حنطة حتى يأذن فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) "، وخبره هذا في الصحيحين. فكان ثمامة (رضي الله عنه) بذلك أول مقاطِع تجاري للعدو في الإسلام -بمعناه الاصطلاحي-، فإنه استشعر دوره ضد قريش لكفرها وحربها لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، واستخدم سلاحه الذي يملك وقاطع تجارتهم، فكان في ذلك إرهاق قريش وتجويعها، حتى أرسلوا إليه (صلى الله عليه وسلم) يسألونه بالرحم أن يكتب إلى ثمامة ليُخلي لهم حمل الطعام، فكتب له النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك ورفع الحصار.
وفي الحديث من الفقه: عدم اشتراط إذن الإمام للمقاطعة، خلافاً لمن قال به! فإن ثمامة قاطعهم ولم يستأذن النبي (صلى الله عليه وسلم) ، بل أقره (صلى الله عليه وسلم) على ذلك ولم ينكر عليه إقدامه على ذلك بلا إذن منه، ولا عدّ ذلك افتئاتاً وجرأة على مقامه (صلى الله عليه وسلم) ، بل لو استدل مستدل بهذا الخبر على اشتراط إذن الإمام لرفع المقاطعة بعد إقدام المسلمين عليها لكان أقرب... وهو بعيد!
وبعد: فما سبق من الأدلة دلّ على مشروعية المقاطعة كما تقدم، والدلالة على"المشروعية"أعم من الدلالة على أحد أفرادها: الوجوب، والندب، والإباحة، وإذا كانت المقاطعة -عند الحاجة إليها والمناداة بها- مطلباً شرعياً فقد خرجت من حيّز الإباحة، وانحصر حكمها بين الوجوب والاستحباب (الندب) ، وهذا هو المبحث التالي:
2-هل المقاطعة الاقتصادية اليوم واجبة أم مستحبة ؟
الأصل في التعامل مع غير المسلم الإباحة (بالضوابط الشرعية) ، وحكم المقاطعة (الدائر بين الوجوب والاستحباب) لا يتعارض مع ذلك الأصل؛ لأن حكم المقاطعة طارئ، يطرأ بطروء أسبابه ودواعيه، ويزول بزوالها ، والنبي (صلى الله عليه وسلم) مع عداوة اليهود له بالمدينة وحصاره إياهم وحربهم وإجلائهم فقد كان يبيع ويشتري معهم، لكنه لمّا احتاج إلى المقاطعة في ظرف من الظروف حاصرهم في حصونهم، بل وحرق نخل مزارعهم كما فعل مع بني النضير، وفي ذلك نزل قوله تعالى: [ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين] .
وعندئذ: فمتى احتاج المسلمون إلى المقاطعة التجارية كما هو الحال اليوم مع دولة الدانمارك الصليبية بعد استهزائهم برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسخريتهم منه، فإن أدنى درجات ذلك هو الاستحباب، وحيث نقول: أدنى درجاته الاستحباب فإن معنى ذلك أنه لا يمتنع أن يصل إلى الوجوب في بعض الأحوال، والمراد بوجوب المقاطعة: تحريم بيع منتجاتهم وشرائها، غير أن هذا التحريم ليس تحريماً لعينه، فإن المحرّمات في فقه البيوع إما أن تحرم لعينها (كبيع الخمر والخنزير) ، أولغيرها بمعنى أنها تحرم لكونها وسيلة إلى محرم (كبيع العنب لمن يصنعه خمراً) ، وهذا ما يعبّر عنه الفقهاء بقولهم:"الوسائل لها حكم المقاصد"، وعلى هذا يُحمل الوجوب في المقاطعة التجارية -إن قيل به-، أنه لغيره لا لذاته، من جهة أن البيع والشراء مع العدو وسيلة إلى تمكينه مادياً من الاستمرار على عداوته وحربه للمسلمين... وذلك محرّم !
والذي أراه أن المقاطعة التجارية تتجاوز حدّ الاستحباب إلى الوجوب في إحدى صور ثلاث:
أ- إذا أمر الإمام بذلك وحمل الناس عليه وجبت المقاطعة ؛ لوجوب طاعة الإمام.
ب- إذا انحصرت وسائل دفع العدو وكسر شوكته في المقاطعة، بحيث لم يجد المسلمون وسيلة أخرى وجبت المقاطعة؛ لأن دفع العدو وجهاده بكل الوسائل الممكنة واجب، وإذا انحصرت الوسائل في المقاطعة صارت هي الواجب كله، بحيث يؤدي تركها إلى ترك الواجب الذي يأثم به الجميع.