فهرس الكتاب

الصفحة 3546 من 3657

وعندما أقام الرسول الكريم وخلفاؤه الراشدون دولة الإسلام العادلة وحضارته الزاهرة وأنظمته الأخلاقية المتكاملة المنبثقة متوازنة من أسماء الله الحسنى, ارتعشت دولة الفرس والرومان فأحسوا بالخطر. ولما هزم جيوشهم جيش الإيمان واليقين والحق, لجئوا إلى التآمر الظاهر والخفي, بعد أن سحق المسلمون دولتهم, فظهر عند الفرس في الحركات الهدامة التي زعزعت المجتمع الإسلامي في القرون التي تلت القرن الأول.

وأما دولة الروم التي ألحقت الجيوش الإسلامية في بلاد الشام ومصر الهزائم المنكرة بها, فبقيت تراقب أوضاع المجتمع الإسلامي, وتخطط لتآمر مكشوف لتشويه الإسلام وعقيدته وشريعته وأخلاقه وحياة نبيه وأركان حضارته, أمام شعوبها المقهورة المستلبة الجاهلة, لمنع وصول نور الإسلام إليها, كي لا تنتفض على طغاتها وكنائسها ومؤسساتها الظالمة.

خافوا من التوحيد على التثليث, ومن النبوة على فرية الإله المتجسد في الأرض, ومن العدل على الظلم والطغيان, فبدءوا يشنون حربًا قذرة على الإسلام ونبي الإسلام.

أما أسباب هذا الحقد, فيكمن في النرجسية الأوربية التي توارثت الفلسفة المادية من اليونان والتشريعات المنحرفة من الرومان والتي قدست القوة وفتحت سبل الشهوات, تحت غطاء رقيق ممن روحانية الكنيسة وأخلاقياتها المزعومة.

بدأ هذا الهجوم من داخل البيت الإسلامي الذي فتح ذراعيه لأهل الأديان جميعًا, ومن هؤلاء الأفاقين الذين تسنموا مناصب عالية في البلاط الأموي يوحنا الدمشقي الذي ثبت أنه كان يؤلف كتبًا في ذم الإسلام والطعن فيه وفي رسوله باتهامه باختلاق الوحي لإشباع رغباته الدنيوية, فأصبح هذا الاتهام المحور التقليدي لجميع كتابات القرون الوسطى (1) .

والظاهر أن أمثال هؤلاء هم الذين اخترعوا قصة بحيرا الراهب, حتى يقولوا: إنه هو الذي علّم محمدًا لكي يثور على المسيحية (2) .

لقد بدأ عصر تسميم الفكر الأوربي تجاه الإسلام منذ العصور الأولى, فدفعت الكنيسة كثيرًا من رجالاتها لتأليف كتب مفتراة لا تعتمد على أية مصادر إسلامية أو علمية لمجرد تشويه صورة الإسلام أمام أجيال الشعوب الأوربية, فالإسلام في نظرهم هرطقة كافرة, كان هدفها الأساس القضاء على المسيحية بطرق سافلة, وهو مخرب هدام بدائي, يدعو إلى إثارة الغرائز الجنسية, يستعبد المرأة ويقر تعدد الزوجات, وتفوح منه رائحة الوثنية, وهو دين دموي عنيف (3) , والقرآن مجموعة من آيات خرافية متناقضة من عمل الشيطان, يمزق الجماعات ويدمر الأخلاق ويدعو إلى الرذائل ويحوي كثيرًا من الخرافات, ومحمد كان كذابًا ومحتالاً وساحرًا, يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ويتمتع بالشهوات, وكان عدوًا للمسيح وكان كاردينالاً منشقًا على البابوية, طمع في كرسيها, فلما خابت آماله (4) ادعى النبوة, وكان لصًا وقاتلاً وزير نساء وخائنًا وفاجرًا وشيطانًا وإرهابيًا (حاشاه ثم حاشاه) .

وأما المسلمون فقد صوروهم بأنهم أولاد الشياطين وأهل لواط ومشركون يعبدون الأوثان (5) .

ووصل الأمر بهم إلى اختراع روايات خرافية عن المسلمين, منها أن رئيس أساقفة سالسبوري, قتل في القاهرة على يد المسلمين عام (1101م) لأنه أقدم على تدمير الصنم الذي كانوا يعبدونه.

كان يحدث هذا التشويه الواسع في أوربا, والذي كان يتولى كبرها الكنيسة في الوقت الذي كان النصارى واليهود في البلاد الإسلامية يتمتعون بحقوقهم كاملة.

يقول المؤرخ المعروف ديورانت:"لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئة يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها في البلاد المسيحية مثيلاً في مثل هذه الأيام, فلقد كانوا أحرارًا في شعائر دينهم واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم" (6) .

وكثيرون من مؤرخي الغرب مثل بارتولد في كتابه"تاريخ الحضارة الإسلامية"وآدم متزفي كتابه"الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري"وفاسيلييف في كتابه"تاريخ الإمبراطورية البيزنطية"وزعزيدهونكة في كتابها"شمس الله تسطع على العرب"يعترفون بهذه الحقائق في احتضان المسلمين لأهل الأديان والطوائف, كما فصل لهم دين الإسلام كتابًا وسنة.

ولكن الغربيين لم يجابهوا هذه السماحة من المسلمين إلا بالتآمر والنكران, فحاولوا هذه المرة أن يعمقوا العداوة بخطط خبيثة, فأوجدوا مؤسسات التبشير ثم الاستشراق.

ولم يكن التبشير من أجل الدين في الحقيقة, وإنما من أجل التمكين لأوربا على بلاد الإسلام.

وبصدد ذلك ألفوا ألوف الكتب والأبحاث بمختلف اللغات, تشن على المسلمين عداوات لا نهاية لها بأسلوب يفتقر إلى الحد الأدنى من الإنصاف والخلق الإنساني الكريم.

ولترسيخ هذه المفاهيم الباطلة أمر البابا أن تدخل هذه الدراسات إلى المدارس والجامعات, وتلقى في المواعظ على الناس في الكنائس والبيوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت